لا للمطلق ولا للمقيّد ، أي وضع للطبيعة المهملة ، فيكون الإطلاق مدلولًا تصديقياً استفيد من تطبيق مقدّمات الحكمة ؟
بعبارة أخرى : نحن نستفيد الإطلاق من خلال ذكر الطبيعي الكلّي ، ولكن لا نعلم أن هذا الإطلاق هل هو مدلول وضعي أم تصديقي جدّي ؟ وحيث إنّ هذا البحث لا يكفي فيه مجرّد الإحساس بالتبادر الساذج ، وليس هو مما تناله يد الباحث اللغوي ، ولأهميته في عملية الاستنباط ، كان على الأصولي لزاماً أن يبحث في تفسير هذه الدلالة ، وهل هي مستفادة من اللفظ أم من ظهور حال المتكلّم ؟ وذلك من خلال جمع ظواهر عديدة يُستكشف من خلالها ملاك الدلالة .
الحالة الثالثة : عدم سهولة الأخذ بالتبادر
أي أن يكون المعنى واضحاً ومفهوماً لتبادره إلى ذهن الإنسان العرفي ، ولكن مع ذلك لا يمكن الأخذ به بسهولة ؛ لوجود شبهة في البين تعيق الأصولي من الأخذ بذلك التبادر . وحتى يمكن الأخذ به يجب على الأصولي إيجاد حل فنّي للشبهة ، وهذا ما يتطلّب منه بحثاً علمياً .
مثال ذلك : ذكروا - في محله - أنّ الجملة المصدَّرة بأداة من أدوات الشرط تدلّ بالتبادر على المفهوم ؛ كما في قولك : إذا جاء زيد يجب إكرامه ، فالوجدان العرفي واللغوي يفهم أن ربطاً خاصّاً قد حصل بين الجزاء وبين الشرط بنحو يؤدّي انتفاء الشرط إلى انتفاء الجزاء ؛ باعتبار أن الشرط علّة منحصرة لتحقّق
الجزاء . والذي يدلّ على ذلك الربط هو نفس هيئة الجملة الشرطية التي هي هيئة خاصّة يتقدّم فيها الشرط ثم تأتي فاء التفريع ثم الجزاء .
وهذا يعني أنّ هيئة الجملة الشرطية لكي تفيد المفهوم لابدّ أن يكون الشرط علّة منحصرة لتحقّق الجزاء ، وإلا فلا مفهوم لهذه الجملة كما في قول الشارع : إذا خفي الأذان فقصّر ، باعتبار أن التقصير ثابت مع خفاء الجدران أيضاً .