الحرفية ، فإننا حين نقول : زيد في الدار ، فإنها تدلّ على معنى واضح لا غموض فيه ، وهو وجود شخص زيد في ذلك المكان المشخّص الذي يسمّى الدار ، وكذلك نستطيع أن ندرك ما يقابل كلمة زيد من معنى وهو ذلك الشخص المعيّن ، وما يقابل كلمة الدار وهو المبنى المعروف . أمّا ما يقابل كلمة في من معنى ، والدور الذي قامت به بحيث أعطت ذلك المعنى الكلي المستفاد من مجموع الكلام ، فهو غامض .
فإن قلت : إنها بمعنى الظرفية .
قلت : إنّ دلالتها على الظرفية يكتنفه شيء من الغموض ؛ لأنّ الظرفية ليست مرادفة لكلمة في ؛ لوضوح عدم جواز استعمال أحدهما مكان الآخر .
لأجل ذلك احتجنا إلى بحث معنى كلمة في وهذا ليس بحثاً لغوياً ، إذ لا يوجد في من يفهم اللغة العربية من لا يتصوّر معنى كلمة في ضمن تصوّره لمدلول جملة زيد في الدار ، وإنما هو بحث تحليليٌّ الغرض منه تعيين ما يقابل كلمة في من معنى .
ومن الواضح أنّ البحث التحليلي بهذا المعنى لا يكفي فيه الرجوع إلى أهل اللغة ، وليس هو من الممارسات العفوية التي لا تحتاج إلى تعمّل ، بل هو بحث علميّ دقّي تحليليّ تولّاه علم الأصول لارتباطه الوثيق بعملية استنباط الأحكام الشرعية كما سيأتي بيان ذلك .
وقد لاحظ علماء الأصول قصوراً في الأبحاث التحليلية على مستوى الممارسات العملية : « فلم تكن له أيّ ممارسة جادة قديماً حيث كانت الفلسفة وقتئذٍ متّجهة إلى تحليل الأشياء الذهنية والخارجية بما هي أشياء لا بما هي
مدلولات للكلام ، ولما أحسّ الأصوليون بهذا النقص كان هذا الإحساس سبباً تدريجياً لمحاولات تنامت على مرّ الزمن لسدّ هذا النقص وملء شيء من هذا الفراغ .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 403
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٤٠٣