والبحث الخامس لم تتعرّض له علوم اللغة ولا المنطق ولا الفلسفة ولا الطبيعة ، ولذلك كان من واجب الأصولي التعرّض لهذا البحث ؛ لما له من علاقة وطيدة وارتباط وثيق في عملية الاستنباط .
بناءً على ذلك قُسّم البحث في مدلول اللفظ كالبحث عن دلالة الأمر أو دلالة النهي - والتي قلنا إنها مورد للبحث الأصولي - إلى قسمين :
البحوث اللغوية : حيث البحث عن مدلول اللفظ بغية أن يصبح ذهننا قادراً على الانتقال إلى الصورة الذهنية المناسبة عند سماع اللفظ ، فالغرض منه اكتشاف دلالة اللفظ على معنى معيّن ، من قبيل : البحث عن دلالة النهي على التحريم ، ودلالة صيغة الأمر على الوجوب ، ودلالة الجملة الشرطية على المفهوم .
البحوث التحليلية : وفي هذه البحوث يفترض أن يكون معنى الكلام معلوماً مسبقاً ، ودلالته على المعنى واضحة كذلك ؛ بمعنى أنّ الفهم اللغوي له مكتمل سابقاً ، غير أنّ هذه الدلالة على المعنى مستفادة من مجموع أجزاء الكلام على طريقة تعدّد الدالّ والمدلول ، فكلّ جزء من أجزاء المعنى الكلي يقابله جزء من الكلام ، وحيث إنّ بعض ما يقابل أجزاء الكلام من أجزاء المعنى واضحة ، وبعضها الأخر غامض ، احتجنا إلى بحث يكشف القناع عن هذا الغموض ، وليس هو إلا البحث التحليلي .
إذا تمّت هذه المقدّمة نقول : هناك جوابان للشبهة أعلاه :
الجواب الأول : إنّ هذه الشبهة لو تمّت فإنها تتمّ في البحوث اللغوية دون التحليلية ، باعتبار أن التحليلية لم تبحث في العلوم الأدبية ، وليست هي من
الممارسات العفوية التي لا تحتاج إلى تعمّل ومزيد عناية كما أوضحناه ، وحيث كان لها دور في عملية الاستنباط من هنا كانت محلّ عناية وبحث الأصولي .
بيان ذلك : لو أخذنا على سبيل المثال البحث عن مدلول الحرف والمعاني
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 402
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٤٠٢