بمقتضى ما ذهب إليه - : « فإن قلت : قد عزلت العقل عن الحكم في الأصول والفروع ، فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل ؟
قلت : أمّا البديهيات فهي له وحده وهو الحاكم فيها ، وأما النظريات فإن وافقه النقل وحكمَ بحكمٍ قُدِّم حكمه على النقل وحده ، أمّا لو تعارض هو والنقلي فلا شكّ عندنا في ترجيح النقل وعدم الالتفات إلى ما حكم به العقل . . وهذا أصل يبتني عليه قواعد كثيرة » « 1 » .
وقد وافقه على ذلك المحدّث البحراني حيث قال في الحدائق : « لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهية من العبادات وغيرها ، ولا سبيل إليها إلا السماع عن المعصوم ع لقصور العقل المذكور عن الاطلاع عليها » « 2 » .
هذا الكلام صار منشأً للاعتراض والإشكال من قبل العلماء الأصوليّين ؛ باعتبار أنّ الحجّية من ذاتيات القطع ولا يمكن سلبها عنه بأيّ حالة من الأحوال ، ولا يمكن التفكيك بينهما ، فإذا تحقّق القطع - سواءً كان منشأه الكتاب أو السنّة أو الدليل العقلي - فهو حجّة بلا إشكال .
من هنا صار علماء الأصول بصدد توجيه الكلام المذكور بما يتلاءم مع حجّية القطع ، إذ كلامهم « بظاهره مشكل بداهة إباء العقل بعد تنجيزية حكمه بلزوم الاتباع عن تشريع خلافه ؛ لكونه من المناقضة الواضحة » « 3 » .
توجيه الميرزا النائيني قدس سره لمقولة الأخباريين
إن ذلك يتمّ من خلال تدخّل الشارع في إبطال طريقية الدليل بتحويل القطع من الطريقي إلى الموضوعي .
هامش
( 1 ) هداية المسترشدين ، مصدر سابق : ج 3 ، ص 542 541
( 2 ) انظر : الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ، العالم البارع الفقيه المحدّث الشيخ يوسف البحراني ، تحقيق محمد تقي الأيرواني : ج 1 ، ص 131
( 3 ) نهاية الأفكار ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 51 .