تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
ويمكن توضيحه بأن يقال : ذكرنا في البحوث السابقة أنّ الخطاب كاشف عن الجعل لا نفسه ؛ ، لأنّ الجعل هو العنصر الثالث من عناصر مرحلة الثبوت المسمَّى بالاعتبار ، نعم بأصالة مقام التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت يمكن أن نقول تحقّق جعل ، وإلّا فإنّ الذي تحقّق هو المبرز عن الجعل ، فعندما يقول المولى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
فهذا خطاب مبرز للجعل والاعتبار وليس هو نفس الجعل . فلو جئنا إلى المسلمين في زمن صدور هذه الآية المباركة وبحثنا عنهم ولم نجد فيهم مستطيعاً ، ففي هذه الصورة لا تنجّز للوجوب عليهم ؛ لعدم فعليّة موضوعه وهو الاستطاعة فلا محذور في كون المكلّف قاطعاً بالجعل ومع ذلك لا يتنجز عليه الحكم الشرعي ، فلهذا عند تعداد أحكام الإسلام يُذكر وجوب الحج ، مع أنه لا يجب على أيّ أحد من المسلمين ؛ لعدم وجود المستطيع فيهم ، ولكن إذا صار زيد الخارجي مستطيعاً تحقّق شيء آخر وراء الجعل ، وهو الوجوب ، وهذا ما نعبِّر عنه بفعليّة المجعول . إذا اتّضح هذا ، نقول : حاول الميرزا النائيني قدس سره توجيه دعوى الأخباري ، من خلال التمييز بين جعل الحكم وبين فعليّة المجعول ، وأن العلم بالجعل يمكن أن يؤخذ شرطاً في فعلية المجعول ، وعليه يمكن أخذ العلم بالجعل عن طريق خاصّ شرطاً في فعلية المجعول ، والطريق الخاصّ ليس إلا السماع من المعصوم ع ، فلو حصل للمكلّف علم بالجعل الشرعي من طريق آخر كالعلم به عن طريق الدليل العقلي ، فلا يكون فعلياً في حقّه حينئذ . بعبارة أخرى : إنّ الأخباريّين لا يدّعون أنّ القطع بالحكم الشرعي إذا كان مدركه العقل فليس بحجّة ؛ لأنّه يستحيل التفكيك بين القطع وبين حجّيته ، وإنّما مقصودهم أنّ العلم بالجعل الحاصل من الكتاب والسنّة شرط في فعليّة المجعول ، فإذا انتفى هذا الشرط انتفى المجعول ، فلو حصل للمكلّف
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 379 | الشيخ حيدر اليعقوبي