ان إبراهيم الديلمي سألني المصير إلى دعوته ، وكان ينزل بدار القراريطى ، فجئتها وهي مفروشة ، فلما جلست قال : اعلم انى خطبت إلى قوم وتجملت عندهم ، بان ادعيت ان لي منزله من الأمير ، فقالت لي المرأة : إذا كنت بهذه المنزلة ، فانى ادلك على شيء يعمم صلاحه الامه ، وينفعك عند الأمير ، فقلت ما هو ؟ قالت : فان هذا الخليفة المتقى ، قد عاداكم وعاديتموه ، واجتهد في هلاككم ببني حمدان وبنى بويه ، فلم يتم له ما أراد ، ولا يجوز ان يصفو لكم ، وهاهنا رجل من ولد الخلفاء يرجع إلى دين ورجله ، فهل لكم ان تنصبوه للخلافة وهو يثير أموالا عظيمه .
واطالت الكلام ، فهوستنى ، فعلمت ان محلى لا يبلغ إلى مثل ذلك ، وكرهت انى اكذب نفسي في ادعاء المنزلة التي ذكرتها ، فاطمعتها في ذلك بك ، وقد اطلعتك عليه ، فقلت : أريد ان اسمع كلام المرأة ، فجاءني بامرأة تتكلم بالعربية والفارسية ، من أهل شيراز ، جزله شهمه قهمه ، فخاطبتني بنحو ما خاطبني به الرجل فقلت لها : أريد ان القى الرجل ، فاتتنى به في خف وإزار ، من دار ابن طاهر ، وعرفني انه عبد الله بن المكتفي بالله .
فرأيت رجلا حصيفا ، ورايته يميل إلى التشيع ، ورايته عارفا بأمر الدنيا ، وضمن ستمائه ألف دينار يستخرجها ويمشى بها الأمر ، ومائتي ألف دينار للأمير توزون ، وقال : انا رجل فقير ، واعرف هذه الأموال عند أقوام عندهم ذخائر الخلافة .
فصرت إلى توزون ، ولقيت أبا عمران موسى بن سليمان ، فاطلعته على الحال ، فقال : انى لا ادخل في هذه الأمور ، فلما آيسني حلفته على الكتمان ، واستحلفت توزون على الكتمان بالمصحف ، وأخبرته ، فطلب الرجل ان يبصره ، فقلت : بشرط ان تكتم الحال من ابن شيرزاد .
واتى توزون معي إلى دار موسى بن سليمان ، فلقيه هناك وخاطبه وبايعه .
فلما وصل المتقى لله إلى السندية ولقيه توزون ، قلت له : ان كنت عزمت على
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف ) — صفحة 348
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٤٨