( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ )
« 1 » ، ومفاد هذه الآية أيضاً اجتناب الإنكار بالمساحات الغائبة من الحقيقة ، وإن لم يكن يعني ذلك ولا يستلزم التسليم بشيء من دون دلائل وبيّنات ، فإنّ بين التسليم بدون بيّنات أو الإنكار من دون بيّنات طريق ثالث معرفيّ يحثّ عليه القرآن ، وهو السعي والفحص ، ولا يمكن البناء عليه إلّابالإيمان .
فتوطين النفس على وجود ما غاب عن الإدراك سبب يحثّ على المزيد من التعلّم ، بل واستمراره ، وهذا عكس الإنكار والمسارعة إلى الاسترابة والتشكيك ، فإنّه يحول دون ذلك .
ثمّ إنّ هاهنا تساؤل في مغايرة تفسير الآية الكريمة بين
( يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )
وبين قوله تعالى :
( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ )
، فلماذا جُعل عنوان الإدراك والإذعان المتعلّق بالآخرة إيقان ، بينما جُعل المتعلّق بالغيب إيمان ، كما أنّه كذلك في قوله تعالى :
( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ )
« 2 » ) في الآيتين ، حيث اطلق على الإذعان بالوحي النازل عليه ، وعلى الأنبياء من قِبله اطلق عليه الإيمان ، فما هو الفرق بين العنوانين ؟
ومن الملاحظ أنّ اليقين لم يُجعل متعلّقه في الآيات والروايات ، الذات الإلهيّة ، بل جُعل متعلّقه في الآيات ، الآخرة ، أو الإيقان بالآيات الإلهيّة ، أو اليقين بوجود النار ، ويُحذف متعلّقه ويقدّر بلحاظ سياق الجملة ، بينما الإذعان به تعالى جُعل دوماً بعنوان الإيمان .
وقد ذكر في الآيات لليقين مراتب : علم اليقين
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ
هامش
( 1 ) يونس 10 : 39 .
( 2 ) البقرة 2 : 4 .