الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
المعلَم الثالث : الإيمان بالغيب
وهذه توصية ثالثة في النهج المعرفي في القرآن الكريم في قبال نهج الجهل ألا وهو الإيمان .
ففي هذه الآيات بيان لشرط ثالث للاهتداء للحقيقة وحصول المعرفة من الكتاب ، وهو الإيمان بالغيب ، وهو عنوان لمساحات من الحقيقة والواقعيّة تغيب عن محدودة إدراك الإنسان ، وهذه التوصية والقاعدة ضروريّة ولا بدّ منها في كلّ بحث وتنقيب علميّ في أيّ علم من العلوم ، فإنّ المسيرة العلميّة في كلّ علم إنّما تتواصل تنقيباً وتحقيقاً واستكشافاً لإيمان الباحثين بأنّ هناك مساحات من الحقيقة لم يدركوها بعد ولم يصلوا إليها .
ولولا أنّهم بانين على وجود مساحات وراء ما وصل إليه الإنجاز العلميّ الذي هم متخصّصون فيه ، لما دأبوا على البحث والفحص ، بل إنّ في قرارة كلّ النخب العلميّة على مرّ الأجيال أنّ مسيرة العلوم لم تقف يوماً ما عند حدّ تنتهي إليه ، وهذا ممّا يبرهن أنّ مساحة الحقيقة الغائية أعظم من مساحة الحقيقة المكتشفة .
كما يتبيّن أنّ من ضرورة البحث العلميّ توطين النفس على وجود حقيقة غائبة ينصبّ الطلب والسعي والبحث نحو اكتشافها ، فالإيمان بالغيب شرط أساس في السعي العلميّ والنهج المعرفيّ ، بينما جحود الغيب يعني جمود الحركة العلميّة ومراوحتها في مكانها .
وربّما يشير إلى هذا الأصل المنطقيّ المعرفيّ القرآنيّ أيضاً ، قوله تعالى :