. . . . . . . . . .
شرح
في باب المكاسب مستوفى وهو من متفردات الكتاب ونحن نشير هنا إلى ذلك على سبيل الإجمال ( فنقول ) قد أطلق الأصحاب الكلمة بأنه يجوز أخذ الأجرة على الصناعات بل في النهاية وغيرها كل صنعة من الصناعات المباحات إذا أدى فيها الأمانة لا بأس بأخذ الأجرة عليها وأطلقوا الكلمة أيضا بتحريم الأجر على الواجب الكفائي وعرفوه تارة كما في باب الجهاد وغيره بأنه كل مهم ديني يتعلق غرض الشارع بحصوله حتما ولا يقصد عين من يتولاه وألحقوا به الصناعات وعرفوه أخرى بأنه كل ما ينتظم به أمور النوع ولعل الغرض من التعريفين تقسيمه إلى القسمين كما تقدم فبعضهم أبقى إطلاق تحريم أخذ الأجر على الواجب الكفائي إلا ما خرج بالدليل من نص أو إجماع وبعضهم خصص إطلاق التحريم بما عدا الصناعات وخصص الصناعات بما عدا الدينية وبعضهم قال إن الواجب الكفائي إن أريد به الفعل على وجه القربة كصلاة الجنازة لم يجز أخذ الأجرة عليه وإن لم يقصد على وجه القربة جاز وخرج الدفن ونحوه بالنص من الشارع نعم الواجب العيني لا يجوز أخذ الأجرة عليه بحال وبعضهم على أن الواجب الكفائي إنما يجوز أخذ الأجر عليه عند عدم وجوبه كما إذا كان في القطر من هو قائم به وإن وجب لا يجوز أخذ الأجرة عليه بحال فالصناعات الواجبة كفاية قد وجد في كل قطر من يقوم بها فيجوز أخذ الأجر عليها ونحن قسمنا الواجب الكفائي إلى قسمين واجب لذاته وواجب لغيره ( فالأول ) لا يجوز أخذ الأجرة عليه وهو كل ما تعلق أولا وبالذّات بالأديان والغرض منه الآخرة ( والثاني ) يجوز أخذ الأجرة عليه وإن تعين وهو ما تعلق أولا وبالذات بالأموال وبالجملة ما كان الغرض الأهم منه هو الدنيا بجلب نفع فيها أو دفع ضرر وقلنا هناك إنه لا ينتقض إلا بالجهاد وقد خرج عن ذلك لمكان الإجماع المحكي من الشهيد على ذلك وتحرير الأقوال وتفصيلها وأدلتها والتصريح بالقائلين بها قد استوفيناه في باب المكاسب ( وليعلم ) أن الفقه في عرف الفقهاء عبارة عن الملكة التي يقتدر بها على العلم اليقيني بالأحكام الشرعية الفرعية الظاهرية أو الواقعية عن أدلتها التفصيلية لأن المجتهد قد يحصل له العلم بالحكم الواقعي أو عن الملكة التي يقتدر بها على العلم اليقيني أو الظن بالأحكام الواقعية عن أدلتها التفصيلية والأولى أولى لأن الحقيقة أولى من المجاز في التعريف المشهور وهو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلة ولا يعارضه التجوز بالأحكام حيث يخصها العامل بالقطعيات بالواقعية لأنه يدعي أنها هي المتبادرة الظاهرة ولا تعارض عند العامل بالظن لأنه يجري بعموم الأحكام على ظاهره لأن التعريف المذكور وقع لمن لا يعمل إلا بالقطعيات لأنه يقول المراد بالعلم اليقين وبالأحكام الأحكام الواقعية ومن يعمل بالظن يقول المراد بالعلم اليقيني وبالأحكام الظاهرية والواقعية ( أما الأولى ) فلأنه يقطع بالحكم الظاهري ويظن بالحكم الواقعي ( وأما الثانية ) فلأنه قد يحصل له القطع بالحكم الواقعي والكلمة المشهورة وهي قولهم إن ظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم لا تتأتى أصلا عند من لا يعمل إلا بالقطعيات ولا عند من يعمل بالظنيات ويقول إن للّه عز وجل في كل واقعة حكما واحدا وإن المراد بالأحكام الواقعية ودليل الفريقين على ذلك أن القطع فيما طريقه الظن ممتنع أما على قول الفريق الأول فظاهر وأما على قول الثاني فلأنه لا يعلم إلا الحكم الظاهري بالدليل الظني ولا يعلم الواقعي نعم تتأتى على مذهب العامة النافين للحكم الواقعي القائلين بأن الحكم تابع لآراء المجتهدين فكل ما ظنه المجتهد فإنه حكم اللَّه الواقعي فيتعدد حكم اللَّه سبحانه بتعدد الآراء نعم لو أراد العامل بالظن القائل بأن للّه حكما واحدا بهذه الكلمة أن ظنية طريق الحكم الظاهري لا تنافي القطع بالحكم الظاهري وأني مأمور به معذور فيه كانت تامة صادقة