. . . . . . . . . .
شرح
مستقبلا وأذن وأقام ثم كبر واستمر في صلاته فإن صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية والقربة ( وبهذا يعلم ) أن النية المعتبرة مطلقا ليست منحصرة في المخطرة في البال بل إنما هي عبارة عن انبعاث النفس والميل وإذا لم يكن حاصلا لها قبل فلا يمكنها اختراعه واكتسابه بتصور المعاني في الجنان أو مجرد النطق باللسان ألا ترى إلى المرائي فإنه لا يمكنه التقرب في فعله وإن قال بلسانه أو تصور بجنانه أصلي أو أدرس قربة إلى اللَّه تعالى فظهر من هذا أنه من المستحيل وقوع جزء من أجزاء العبادة من دون نية القربة فلا وجه لاشتراط المقارنة لأول جزء منها ثم الاكتفاء بالاستدامة الحكمية كما اختاره أكثر المتأخرين ( لا يقال ) إن المحال هو تحقق الفعل بغير قصده وقصد غايته فيه لا النية المعتبرة عند الفقهاء إذ هي أمر آخر يجوز تخلفه بل يصعب تحققه ( لأنا نقول ) اللازم المتحقق في فعله الاختياري هو كونه إطاعة وامتثالا أو تقربا إلى اللَّه تعالى لا أمرا آخر إذ لو جعله أمرا آخر بطلت عبادته فلا بد أن يتحقق كل جزء من الأجزاء بذلك الغرض ويقصده بتلك الغاية أي الطاعة « 1 » والقربة وبعد اختيار ذلك الغرض يستحيل وقوع جزء من الأجزاء بلا نية فأي داع إلى اشتراط المقارنة واعتبار الاستدامة الحكمية دون الفعلية ( نعم ) جعل النية هي المخطرة بالبال خاصة كما فعله جمع من المتأخرين يوجب اعتبار المقارنة والاستدامة الحكمية لأنهما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِفإما أن يشتغل بإحداث الأجزاء من الحركات والسكنات وغيرها وإما أن يتوجه إلى إحضار الصور بالبال وهما لا يجتمعان معا غالبا عادة فلا جرم اختاروا المقارنة والاستدامة الحكمية لأن النية علة غائية ولأن الباء في قوله صلّى اللَّه عليه وآله إنما الأعمال بالنيات للتلبس كما هو ظاهر ولأن قوله تعالى( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )حال مبينة هيئة الفاعل فحيث لا يجتمعان غالبا عادة ولا معنى للتأخر لكونه علة غائية فلا بد من التقدم والاتصال بأول جزء ويسمى هذا مقارنة ( وأما ) اعتبار الاستدامة الحكمية فلما عرفت من استحالة الفعلية عادة مع كون النية شرطا لمجموع العبادة والشرط للمجموع شرط للأجزاء فلا بد من الاستدامة الحكمية للأجزاء ومعناها أن لا يقصد خلاف ما قصد أولا ولا يخفى ما في ذلك من العناية والخروج عن مقتضى الأدلة لما مر ويأتي ثم بعد اعتبار المقارنة لأول جزء وقع الخلاف بينهم في الوضوء والغسل في بيان مقام المقارنة فالمشهور بينهم جواز تقديم النية في الوضوء عند غسل اليدين المستحب كما تقدم بيان ذلك كله وأنت بعد ما عرفت أن اشتراط المقارنة واعتبار الاستدامة الحكمية والنزاع في جواز التقديم عند غسل اليدين مبني على جعل النية المشترطة هي المخطرة بالبال يظهر لك أن النية عندهم أيضا ليست إلا الداعي وأن هذه الأمور مبنية على كون النية هي العلة الغائية والقصد الباعث لكنهم اعتقدوا انحصار ذلك في المخطرة بالبال وأظن أن الباعث لهم على ذلك ما عهد من حصر القوى الباطنة في الخمسة المشهورة وهي الحس المشترك والخيال الذي هو خزانة الحس المشترك والوهم والقوة الحافظة التي هي خزانة الوهم والمتخيلة وهي التي تركب بعض الصور مع بعض وتركب بعض المعاني مع بعض وتركب بعض الصور مع بعض المعاني فلما حصروا القوة المدركة الباطنة المؤثرة في حدوث الأشياء والعلة الغائية الموجدة لها في المخطر بالبال إذ لو لم تكن عندهم حاضرة في البال لا يصدر منها شيء لعدم حضورها في الذهن والمعدوم لا يؤثر قطعا وكذا إذا كانت موجودة في الذهن إلا أنها في الحافظة لا في البال لأن الساهي والناسي لتلك الصورة والغافل عن تلك العلة الغائية كيف يصدر عنه معلولها المتوقف عليها فلا بد أن تكون
هامش
( 1 ) الإطاعة