تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق و مباحث الفاظ ( مجموعه متون و مقالات تحقيقى ) — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
و منها أنّها تعرّفنا المواضع الّتى تتوجّه لنا بها الغلبة لخصومنا فى الجدل . و منها أنّها تفيدنا الأشياء الّتى يتهيّأ لنا بها أن يقنع غيرنا حتّى يقبل منّا ما عندنا . و منها أنّها تفيدنا معرفة حكاية الشّىء بالشّيء على صحّة . و منها أنّها تعرّفنا جميع الأشياء الّتى تنتفع بها فى كلّ واحد من الأمور الّتى نزاولها . فهذا مبلغ منافع هذه الصّناعة ، و من قبل ذلك يجب على كلّ واحد من النّاس التماسها و الاجتهاد فى تعلّمها لكثرة الفوائد الّتى ينالها بها و الأشياء الجميلة الّتى تصل بها إليها . و ليس هذا الفعل من شأن صناعة أخرى البتّة . و لهذا تكون صناعة المنطق مفردة على حدتها ، لا يشارك فى نظرها صناعة اخرى أصلا . و لما كانت صناعة النّحو قد يظنّ بها أنّها تشارك هذه الصّناعة لنظرهما فى الألفاظ وجب علينا ان نبيّن الفرق الّذى بينهما فى هذا النّظر . فنقول أمّا صناعة المنطق فتنظر فى الألفاظ الدّالّة على المعانى الّتى تستند إلى الأشياء الخارجة من الذّهن . و أمّا صناعة النّحو فتنظر فى الألفاظ الدّالّة على ما فى النّفس من المعانى ، من غير ان تلتفت هذه الصّناعة إلى أنّ المعانى مستندة إلى شىء آخر أم لا ، بل غرضها تقويم الألفاظ فقط حتّى لا يلفظ الإنسان إلّا بالصّواب . و ليس هذا غرض صناعة المنطق ، لكنّ غرضها أن تقوّم جميع أفعال النّفس النّاطقة و انفعالاتها حتّى لا ينطق إلّا بالصّواب فى كلّ شىء . فنظر هاتين الصّناعتين إذن تختلف . و ذلك أنّ النّحو ينظر فى الألفاظ و فى أجزائها من حيث هى دالّة على معانى فى النّفس تستند إلى أمور خارج الذّهن . و لهذا نروم صناعة النّحو لبيان عمّا فى النّفس فقط . و نروم صناعة المنطق إصابة الحقّ و الصّواب فى كلّ شىء ، كيما يصير ما فى الأفهام مطابقا للأشياء الّتى من خارج . و من قبل ذلك صارت صناعة النّحو تختلف فى كلّ لسان ، و صارت صناعة المنطق واحدة بعينها فى كلّ لسان و فى كلّ وقت . و الحاجة كانت إلى هذه الصّناعة ، كما قلنا آنفا ، لأجل معرفة الأمور الخفيّة عنّا كيما تحصل معرفتها على الصّواب . و لما كان ذلك انما يتبيّن لنا بالقياس ، و كان القياس مؤلّفا من مقدّمات بيّنة عندنا ، وجب علينا