بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به القوّة و الحول فصل فيما هى صناعة المنطق و فيما ذا ينتفع بها إنّ كلّ إنسان مفطور على قبول تزايد المعرفة ، و ذلك أنّا نجد كلّ واحد من النّاس يؤثر المعرفة و يختار الزيادة منها ، حتّى أنّ الصّبيان و من لا عقل له يؤثر استماع الأحاديث و الخرافات و يكثر الزيادة فى معرفته بالأمور . فأمّا من هو أكمل من هؤلاء ، فهم أعلى طبقة لأنّهم يلتمسون و يؤثرون المعارف الّتى هى أجلّ من تلك مثل العلوم و الاداب و قبول الصّنائع و نحو ذلك . و هؤلاء فقد تختلف طبائعهم بحسب اختلاف ما يعتاده كلّ أو أحد منهم عن هذه الأشياء و بحسب تهيّؤ كلّ أو أحد منهم لقبول معرفة .
و هذا الأمر موجود بالطّبع فى فطرة كل إنسان . و ذلك أنّ الّذين يختلفون عن طلب المعارف فذلك شىء عرض لهم من قبل تكاسلهم عن المعرفة و قلّة اعتبارهم لها و رياضتهم فيها . و لو حصل لهم أدنى منبّه عليها ، لرأوا أنّها أمر فاضل جدّا و لالتمسوها . و لسنا نرى فى النّاس أحد إلّا و هو يؤثر الزّيادة فى معرفة ما ، أىّ معرفة كانت . و إذا كان هذا موجود فى كلّ إنسان بالطّبع ، فذلك شىء فى طباع النّاس خاصّة . فيلزم أن يكون فى كلّ إنسان قوّة بها يقع قبوله لهذا الأمر ، إذ كان كلّ فعل و انفعال يصدر عن قوّة قابلة ، و هذه القوّة هى مشتركة لجميع النّاس ، و هى المسمّاة نطقا و قوّة ناطقة و نفسا ناطقة ، و بها قيل للإنسان ناطقا و إنّ له نطق .
و ليس وجودها مثال واحد فى كلّ إنسان من كلّ جهة ، لكنّها تختلف فيهم اختلافا كثيرا
منطق و مباحث الفاظ ( مجموعه متون و مقالات تحقيقى ) — صفحة 3
مساهمون: مهدى محقق
ص٣