بحسب اختلاف أفعال هذه القوّة و انفعالاتها فى كلّ واحد منهم .
و أفعال هذه القوّة و انفعالاتها هى الذّهن و الذّكاء و التّعقّل و التّمييز و التّعرّف و قبول الأدب و التّعليم و نحو ذلك ، من الأفعال و الانفعالات الّتى عدّدت لهذه القوّة فى كتب الأخلاق . فإنّا قد نجد بعض النّاس اذكى من بعض ، و بعضهم أعقل من بعض ، يكون و بعضهم أجود تمييز من بعض . فبحسب اختلاف هذه الأفعال و اختلاف هذه القوّة الناطقة الموجودة فيهم ، صار بعض النّاس أكمل من بعض فى المعرفة و حسن الحال . [ و ] احتاجوا عند ذلك إلى العبارة باللّسان ليفهم بعض النّاس بعضا ، و يوقف كلّ واحد منهم صاحبه على ما فى نفسه من المعانى ، فيشارك بعضهم بعضا فى هذا الكمال .
و لذلك قال الفاضل أرسطاطاليس إنّ العبارة جعلت فى الإنسان لحسن حاله فى تدبيره أمر حياته ، اذ كان بعضهم إنّما يفهم عن بعض و يفيد بعضهم بعضا فى المعونة ما يحتاج إليها .
و أيضا ، فلمّا كان الإنسان بهذا الأمر يدرك المعارف و العلوم و يحصل له التعاضد و استقامة أمر الحياة ، و كانت الأشياء عنده لا بيّنة كلّها و لا خفيّة كلّها ، لكنّ بعضها بيّن ظاهر ، مثل أنّ هذه الشّمس ، و هذه هى الأرض ، و الكلّ أعظم من الجزء ، و نحو ذلك ، و بعضها خفىّ غامض ، مثل سبب الكسوف ما هو ، و نحو ذلك ، ممّا ليس هو بيّن منذ أوّل الأمر ، احتاج بما فى طبعه من إيثار المعرفة و قبولها إلى أن يكمل المعرفة أيضا بالأشياء الخفيّة .
و إلى ذلك بأحد أمرين : إمّا بقبوله التّوقيفات الّتى يوقفه عليها الأفاضل ، مثل الأشياء الّتى صدر عن اللّه عزّ و جلّ و أخذت عن الأنبياء عليهم السّلام .
و هذه فهي المسمّاة عند القدماء مقبولات عن المرتضى رأيه و المقبول من قوله . و الأمر الثّانى الّذى به يحصل للإنسان معرفة بالأمر الخفىّ ، فهو مقايسة الخفىّ بما ظهر . و هذا الطريق يحتاج فيها إلى أن يكون الأمر الخفىّ ملائما للأمر الظّاهر ، فإنّه إن لم يكن ملائما له فليس يمكن الإنسان معرفة ذلك الأمر الخفىّ بذلك الأمر الظّاهر البتّة . و هذه الملائمة
منطق و مباحث الفاظ ( مجموعه متون و مقالات تحقيقى ) — صفحة 4
مساهمون: مهدى محقق
ص٤