يحتاج فيها إلى قوانين و سبل كيما لا يقع فيها خطأ و لا يعرض لها زلل ، فيظنّ بالشّيء أنّه قد تبيّن و لم يتبيّن ، أو أنّه لم يتبيّن و قد تبيّن . ذلك أنّ هذا قد يعرض كثيرا بسبب اختلاط الأمور بعضها ببعض ، فينخدع الإنسان فيها ، و لا يقدر على تخليص بعضها من بعض .
فلهذا السّبب احتاج الإنسان إلى استنباط صناعة تفيد القوانين و السّبيل الّتى بها تتوصّل إلى تحصيل معرفة الخفىّ على الصّواب كما لا يغلط و لا يشذّ ذهنه و لا [ يخطأ ] فى واحد من الأمور . و هذه الصّناعة فقد استنبطها القدماء ، كما استنبطوا جميع الصّناعات الاخر ، و سمّوها باسم مشتقّ من النّطق الموجود للإنسان وحده . و ذلك أنّها هى الّتى تقوّمه و تفيده الصّواب فى كلما يرتجيه الإنسان بما يعطى من القوانين الّتى يؤلّف بها القياس من الأمر الظّاهر ، فيعرف به الخفىّ على التّحصيل .
و هذه الصّناعة ليست هى القياس نفسه لكنّها هى الّتى تعطى صورته و مادّته و طبيعته و فصوله و خواصه و أعراضه و ما تقدّم فيوطا له و ساير أنواعه و جميع ما يلزمه و يلحق به كيما يكون قياسا قد انتظم للأمر المطلوب على التّحصيل . فالصّناعة الّتى تفيد هذه الأشياء هى صناعة المنطق . و لأنّ هذه الصّناعة تسدد أفكارنا نحو الصّواب فى كلّما نلتمسه بالقياس إلى غيره أو بالاستدلال عليه أو بالعبارة عنه ، سمّيت منطقا باسم مشتقّ ، كما قلنا آنفا ، من القوّة المسمّاة عند القدماء نطقا . و ذلك أنّ هذه الصّناعة تسدد القوّة الناطقة نحو الصّواب و تجعل المعانى الّتى فى الذّهن مطابقة للاشياء الّتى خارج الذّهن ، و هى الّتى حصلت عنها المعانى ، و تجعل الألفاظ أيضا مطابقة للمعانى الّتى فى الذّهن و للأشياء الّتى خارج الذّهن معا . ففى هذه الأشياء يكون نظر هذه الصّناعة . و غايتها هى أن تسدّد القوّة النّاطقة حتّى لا ينطق إلّا بالصّواب فى كلّ واحد من الأمور . و تجعل العقل الإنسانى لا يعقل إلّا الحقّ فى كلّ واحد من الأمور و تذكى النّفس و توقظ العقل و تجد الخاطر بما يفيده من دقّة المعانى و صحّتها .
و منها أنّها تعرّفنا مع الحقّ و الصّواب فى كلّ شىء التّحرز من أن يتمّ علينا غلط أو مغالطة بما تعرّفنا من الأشياء المغلطة .
منطق و مباحث الفاظ ( مجموعه متون و مقالات تحقيقى ) — صفحة 5
مساهمون: مهدى محقق
ص٥