الأمر الخامس
إنّه يشترط في إجراء هذا الأصل إحراز عنوان الفعل المرتّب عليه الحكم في الأدلّة ، ليقع الشكّ في صحّته بذاك العنوان ، فيحكم بها ، ويترتّب عليه أثره .
وحينئذٍ لو كان للفعل عناوين متعدّدة ، فأيّ عنوان منها احرز ، صحّ وقوعه مجرىً للأصل ؛ وما لم يحرز ، لم يقع .
ولا يثبت الأصل الجاري في عنوان وجود عنوان آخر ؛ بل يلزم إحرازه بالوجدان ، أو بطريقٍ معتبر ، أو أصل آخر .
مثلًا إذا نذر بأنّه متى تكلّم ابنه بكلامٍ صحيح أن يتصدّق بكذا ، فتكلّم ابنه ولم يعلم صحّته وفساده ، جرى أصالة الصحّة فيه بما أنّه كلام ، ووجب التصدّق . ولو دار أمره بين الشتم والسلام ، لا يثبت ذلك الأصل عنوان السلام .
نعم ، لو احرز كونه سلاماً ، جرى أصالة صحّة كونه سلاماً صحيحاً ، ككونه كلاماً صحيحاً .
وعلى هذا ، لو كان العنوان قصديّاً ، لزم إحراز القصد في إحراز ذلك العنوان بالوجدان ، أو بطريقٍ معتبر ؛ كما قد يُقال بأنّ صورة العمل قد يكون محرزاً لعنوانه ، وطريقاً عقلائيّاً إلى إحرازه ، كمن يرى أنّه يتوضّأ ، أو يصلّي ، أو ينحني في مقابل عظيم ؛ فإنّ صورة تلك الأفعال كاشفة عن أنّه قصد الوضوء أو الصلاة أو التعظيم . فإذا شككنا في صحّتها ، جرى أصالة الصحّة ، كما يشهد بذلك السيرة المستمرّة .
ثمّ إنّه يتفرّع على هذا الأمر جهات :
الأولى : أنّه لو رأينا أحداً يغسل ثوباً نجساً ، ولم ندرِ أنّ غسله لإزالة الوسخ ، أو للتطهير ؟ لم تجرِ هنا أصالة الصحّة ؛ بل لابدّ من إحراز كون فعل الغير بقصد التطهير ، ولأنّ أصل الغسل لا صحيح فيه ولا فاسد .
وفيه : أنّ أصل الغسل أيضاً - ولو لم يكن الفاعل قاصداً لتطهيره - له صحيح وفاسد ، من حيث ترتّب الطهارة عليه وعدمه ؛ لأنّه قد يتّفق ذلك من غير قصد .
الثانية : العمل النيابي ؛ فإنّ إحراز كون العمل مأتيّاً به عن المنوب عنه يتوقّف على