التنبيه الرابع
لا إشكال في أنّ القاعدة تشمل الأحكام الوجوديّة - تكليفيّة ، أو وضعيّة - فترفعها عن موارد الضرر ؛ لأنّها ناظرة إلى نفي ما ثبت بالأدلّة العامّة ، فالشارع قد أخبر بأنّه لا حكم ضرريّ في الأحكام المجعولة من قِبله .
وأمّا الأحكام العدميّة - كعدم ضمان حابس الحُرّ لمنافعه الفائتة تحت يده ، وعدم جواز طلاق المرأة إذا غاب عنها زوجها ، وكان بقاؤها على تلك الحالة ضرريّاً « 1 » - فقد استشكلوا في شمول القاعدة ؛ لرفعها بأنّ القاعدة ناظرة إلى الأحكام المجعولة من قِبل الشارع ، وهي لا تشمل العدميّات ؛ فالموارد التي حكم الشارع فيها بعدم الحكم التكليفي أو الوضعي ليست من قبيل جعل الحكم ، فإنّ الأعدام غير قابلة للجعل ؛ بل من قبيل الإخبار بعدم جعل الحكم فيها . « 2 » هذا ، وقد يقال بشمول القاعدة لتلك الأحكام ، وتقريبه من وجوه :
الأوّل : أنّ المنفي بالقاعدة ليس هو المجعول فقط ، بل كلّ ما ينسب إلى الشارع ويتديّن به ؛ فإنّه إذا لم يجعل الشارع الضمان في الموارد المذكورة - مثلًا ينسب ذلك إلى الدِّين ويتديّن به - فيكون معنى القاعدة : لا حكم ضرري فيما يتديّن به ؛ سواء كانت وجوديّة ، أم عدميّة . فإذا كان ذلك ضرريّاً ، نَفَتْهُ القاعدة ، وأفادت ثبوت نقيضه في محلّه بالملازمة . « 3 »
هامش
( 1 ) . ومنها ما استشهد به صاحب العروة في كتابه ، ج 2 ، ص 75 من جواز تطليق الحاكم زوجة من لا يتمكّن منالنفقة ، حيث قال : « إنّ عدم الحكم لجواز طلاقها للحاكم ضرر عليها ؛ فينفي هذا العدم بحديث نفي الضرر ، ومقتضاه جواز طلاقها للحاكم . . . » . .
( 2 ) . وقال نحوه أيضاً الشيخ الأنصاري رحمه الله في رسالته المسمّاة بموضوع الباب في ضمن رسائل الفقهيّة ، ص 118 و 119 . .
( 3 ) . عن الشيخ الأنصاري رحمه الله بعد نفي الإشكال عن نفي الأحكام الوجوديّة بقاعدة نفي الضرر هكذا : « وأمّا الأحكام العدميّة الضرريّة مثل عدم ضمان ما يفوت على الحرّ من عمله بسبب حبسه ، ففي نفيها بهذه القاعدة ، فيجب أن يحكم بالضمان ، إشكال ، من أنّ القاعدة ناظرة إلى نفي ما ثبت بالعمومات من الأحكام الشرعية - إلى قوله : - ومن أنّ المنفي ليس خصوص المجعولات ، بل مطلق ما يتديّن به ، ويعامل عليه في شريعة الإسلام ؛ وجوديّاً كان أو عدميّاً . فكما أنّه يجب في حكمة الشارع ، ففي الأحكام الضرريّة كذلك ، يجب جعل الأحكام التي يلزم من عدمها الضرر » . رسائل الفقهيّة ، ص 118 و 119 . .