والأخبار في هذا المعنى كثيرة ، بل ربّما بلغ الدخول في بعض المناصب والأشغال لبعض الأشخاص أحياناً إلى حدّ الوجوب ، كما إذا تمكّن شخص بسببه على دفع مفسدة دينيّة ، أو المنع عن بعض المنكرات الشرعيّة مثلًا ، ومع ذلك فيها خطرات كثيرة إلّالمن عصمه اللّه تعالى .
شرح
ومنها : قوله في رواية التحف : «
وأمّا وجه الحرام من الولاية ، فولاية الوالي الجائر ، وولاية ولاة ، فالعمل لهم والكسب لهم بجهة الولاية معهم حرام محرّم ، معذّب فاعل ذلك - على قليل من فعله أو كثير - لأنّ كلّ شيء من جهة المعونة له معصية كبيرة من الكبائر .
وذلك أنّ في ولاية الوالي الجائر دروس الحقّ كلّه ، وإحياء الباطل كلّه ، وإظهار الظلم والجور والفساد ، وإبطال الكتب ، وقتل الأنبياء ، وهدم المساجد ، وتبديل سنّة اللّه وشرائعه ؛ فلذلك حرم العمل معهم ونوبتهم والكسب معهم . . . » « 1 » .
لكن الظاهر عدم دلالة هذا الخبر على الحرمة النفسيّة ؛ فإنّ قوله عليه السلام : «
فالعمل لهم
» يدلّ بواسطة التفريع على كون المحرّم في الحقيقة هو العمل ، كما أنّ قوله : «
فلذلك حرم العمل
» يدلّ على أنّ ما ذكر من المفاسد لولاية الجائر إنّما هو من جهة ترتّب العمل على الولاية .
مضافاً إلى حكم العقل أيضاً : بأنّ كون ذلك شوكة للظالم وتقوية ليس إلّامن جهة ترتّب الأعمال المقوّية لشوكتهم ، وإلّافلو علم الناس من حال الشخص بأنّ قبول النصب ليس إلّا إنشاء محض ، ولا يصل منه إلى الظالم نفع ، ولا إلى الناس ضرر ، لا يكون ذلك شوكة في أنظارهم ، وتقوية لسلطانهم ، ولا يَهابونه لأجل وجود هذا النحو من العامل .
ولو فرضنا استلزام ذلك - أعني مجرّد التولّي تقوية السلطان - فلا دليل على حرمته ما لم يستلزم معصية من المعاصي ، بناءً على الخدشة في سند خبر التحف ، وإلّالحرم كلّ معاملة وبيع وإنفاق ونحوها ممّا فيه دخل في بقائهم .
هامش
( 1 ) . تحف العقول : 331 - 333 .