وأمّا عمل الجاهل القاصر أو المقصّر الغافل مع تحقّق قصد القربة ، فصحيح إن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي يقلّده بعد ذلك . ( 37 )
شرح
والمقصّر : من كان غير معذور في جهله ، كمن حصل له العلم الإجمالي بعدّة أحكام وفي شرعه ، فترك الفحص عنها ، فهو مقصّر بالنسبة إلى مخالفة كلّ حكم لو تفحّص عنه لظفر ؛ سواء لم يتنبّه له أصلًا ، أو تنبّه ، ولم يتعلّم حتّى حصلت المخالفة ؛ كان حين المخالفة شاكّاً متردّداً ، أو غافلًا محضاً ، أو قاطعاً بالعدم قطعاً تقصيريّاً .
وأمّا الثاني : فالأحكام الإلزاميّة غير منجّزة في حقّ القاصر ، فلا عقاب لمخالفتها منجرّة في حقّ المقصّر ، فيعاقب عليها .
وأمّا الثالث : فالميزان في الحكم بصحّة أعماله وفسادها هو تطابقها للواقع وعدمه ، من دون فرق في ذلك بين العبادات وغيرها .
نعم ، قد يستشكل في العبادات ولو مع الموافقة ، تارة بدعوى السيّدين المرتضى والرضي قدس سرهم الإجماع على بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد مطلقاً ، وأخرى بعدم تمشّي قصد القربة من الجاهل ، سيّما الشاكّ المتردّد . ولعلّ فتوى الماتن رحمه الله بالبطلان في الشاكّ مبنيٌّ على هذا الإشكال .
( 37 ) المناط تطابقها للواقع ، إلّاأنّه ليس للمقلّد طريق إلى إحراز إلّافتوى المجتهد .
وحينئذٍ فهل الطريق في حقّه فتوى المجتهد حين العمل ، أو المجتهد حين التنبّه ؟
وجهان ؛ اختار قدس سره ثانيهما ، ووجهه أنّ الحجّة والطريق للمقلّد هي فتوى الثاني ؛ وأمّا فتوى الأوّل المغفول عنها حين العمل ، فلا تكون حجّة ؛ إذ هي بوجودها الواصل منجّزة أو معذّرة ، لا بوجودها الواقعي .
وقيل : إنّها أيضاً كانت حجّة فعليّة ؛ فإنّ إنشاء المولى حكماً بداعي الإيصال كافٍ في فعليّته من قبله ، وهو وظيفته ، وتمام ما بيده ، كإنشائه الحكم التكليفي . وعدم وصوله إلى المكلّف لا دخل له في تحقّقه ، والمناط في الصحّة والبطلان تطابق الحكم الفعلي وعدمه .