شرح
ولازم الأوّل : أنّه قد ادّعى أنّ الإيمان والعمل الصالح قد رفع الحرمة عن جميع المحرّمات ، أو عن خصوص الخمر . وهذا أمرٌ بعيد ، ولكن لعلّه لم يلتفت إلى لوازم كلامه .
ثمّ إنّ المستفاد من الصحيح ترتّب خصوص الجلد ، ومن المرفوعة الاستتابة أوّلًا ثمّ الجلد أو القتل .
وحينئذٍ نقول : لو حملنا الحديثين على أنّ مراد قدامة نفي الحرمة ، كان الخبران كلاهما على خلاف القواعد المستفادة من الأدلّة ، إلّاأنّ في الصحيح مخالفة واحدة ، وفي المرفوعة مخالفتان .
أمّا الصحيح ، فلأنّه إذا ادّعى الشارب للخمر جهله بحرمتها ، ولو كانت بشبهة حاصلة له من الدليل أو غيره ، فاللّازم سقوط الحَدّ عنه ، كما ورد به نصوص كثيرة . هذا إذا احتمل صدقه في دعواه ؛ وإن علم بكذبه في دعواه ، فهو مرتدّ ، يُقتل . فلا حدّ على التقديرين .
وأمّا المرفوعة ، فلأنّ مدّعي الجهل بالحكم والاعتقاد وبحلّيّته ، إذا شربها ، لا حدّ عليه لشربها ، ولا يجب استتابته ؛ بل يجب تعليمه . ولا يحدّ - تاب ، أم لم يتب - ولا يجوز قتله أيضاً إذا لم يتب ، بل ولا معنى لتوبته .
ولو حملنا الخبرين على أنّ قدامة أراد نفي الحَدّ فقط ، كان الصحيح مطابقاً للقواعد ؛ لأنّه زعم عدم الحَدّ على الخمر مع علمه بحرمتها ، وهو لا يسقط الحَدّ ، وبقي حكم الاستتابة مخالفاً للقواعد .
ثمّ إنّه يمكن أن يقال : إنّ قول المفيد قدس سره : « قد روت الخاصّة والعامّة » « 1 » ، كأنّه إخبار عن كون القضيّة المرويّة متواترة ، ولا أقلّ من الاطمئنان بصدور الحكم عن الإمام .
وفيه : أنّ اختلاف ما رواه مع الصحيح الذي هو من مصاديق ما روته الخاصّة كاشف عن الاختلاف ، والقدر المتيقّن حينئذٍ هو الصحيح . ولعلّ سائر ما روته الخاصّة أيضاً - بل وعدّة ممّا روته العامّة أيضاً - كذلك .
هامش
( 1 ) . المقنعة : 799 . .