شرح
الحَدّ أو التعزير ، إلّاأنّ الأصحاب قيّدوا ذلك بكون المعصية كبيرة ؛ فلا تعزير على المعصية الصغيرة .
وتوضيح المطلب : أنّ قوله تعالى : « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ » « 1 » يدلّ على التكفير بالنسبة للصغائر ؛ فيقع التعارض بينها وبين عموم ثبوت الحَدّ لكلّ عصيان . فلابدّ أن تكون الآية مخصّصة لنصوص الحَدّ ؛ فإنّ كفران الصغائر معناه عدم التعذيب لها في الدُّنيا والعقبى ، فيختصّ الحَدّ والتعزير بخصوص الكبائر ، كما هو المفتى به للأصحاب .
وليعلم أنّ المستفاد من الآية الشريفة حصول التكفير لمن اجتنب عن الكبائر ، أي إذا ارتكب الصغيرة فقط ؛ وأمّا الصغيرة الصادرة من مرتكب الكبيرة ، فمقتضى عموم نصوص الحَدّ لزوم التعزير ؛ مع أنّا لم نر قائلًا بالفصل بين الصغيرتين . ولعلّ هذا هو عدم الفصل الملحق لها بها ، مع أنّ الحدود تدرأ بالشّبهات .
وأمّا قوله تعالى : « الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ » ؛ « 2 » فالّلمم إن كان بمعنى الصغير من المعاصي ، كانت الآية متقاربة المعنى مع سابقتها ؛ وإن كان ما يقع قليلًا نادراً مِن « ألمّ بالمكان ، إذا نزل به » ، وقول الشاعر : « وإن ضيف ألمّ ، فهم خفوف » ، « 3 » فالمراد المعصية القليلة الوقوع ، وإن كانت كبيرة ؛ فإن استفدنا من الآية غفرانها ، فإنّ قوله : « الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ » صفة للّذين في قوله : « وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى » ، « 4 » كانت الآية أيضاً مخصّصة لقوله صلى الله عليه وآله : « وجعل لمن تحدّى ذلك الحَدّ حَدّاً » . « 5 »
فالمتحصّل : أنّ الحدود والتعزيرات لا تكون إلّافي المعاصي الكبيرة ؛ إذ الصغائر مطلقاً ، وكلّ كبيرة إذا صدرت عن الإنسان المواظب لحاله نادراً مغفورة مكفّرة ، فلا تعزير في ذلك .
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 31 . .
( 2 ) . النجم ( 53 ) : 32 . .
( 3 ) . راجع : تفسير الآلوسي 6 : 164 . .
( 4 ) . النجم ( 53 ) : 31 . .
( 5 ) . انظر : وسائل الشيعة 28 : 16 ، كتاب الحدود والتعزيرات ، أبواب مقدّمات الحدود وأحكامها ، الباب 2 ، ح 5 . .