تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقة الإستدلالية على تحرير الوسيلة — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
شرح
يدلّ على التخيير قوله تعالى : « فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ » . « 1 » والضمير في « جَاءُوكَ » لليهود ، عوامّهم الذين كانوا مختلطين بالمسلمين ، وقد كانوا يراجعون في بعض أمورهم النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله ، إلّاأنّهم كانوا تابعين لأحبارهم وعلمائهم ؛ وهم الذين أشار اللّه إليهم في الآية بقوله : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَايَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا » . « 2 » وهذا صريح في جواز الحكم بما يقتضيه الإسلام والإعراض عنهم ؛ بمعنى تفويض أمرهم في قضاتهم ومحاكمهم الدينيّة ، لا الإهمال وتعطيل حدود اللّه . لا يُقال : إنّ الآية الشريفة منسوخة بالآية الثامنة والأربعين ، حيث قد عيّن اللّه تعالى فيها الحكم على وفق الإسلام ، فيكون التخيير منسوخاً ، وإلّاهي قوله تعالى : « وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ » . « 3 » فإنّا نقول : مع استبعاد كون الآيات المتوالية النازلة في قضيّة واحدة - كما هو مقتضى شأن نزول الآيات - ينسخ بعضها بعضاً ، ومع أنّ سورة المائدة آخر ما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله ولا نسخ فيها ، ومع أنّ ابن عبّاس حِبر الامّة ، قال : « إنّ اللّه خيّر نبيّه في ذلك » ، « 4 » مريداً به بقاء الحكم . إنّ ما يدّعى كونه ناسخاً ظاهر في التعيين ، والآية المدّعى كونها منسوخة نصٌّ في التخيير ؛ فيُقدَّم النصّ على الظاهر .
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 42 . . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 41 . . ( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 48 . . ( 4 ) . راجع : فقه القرآن للراوندي 2 : 19 . .
التعليقة الإستدلالية على تحرير الوسيلة — صفحة 241 | الشيخ على المشكيني / حميد الأحمدي الجلفائي