شرح
لكن لابدّ من ملاحظة الأدلّة التي يستفاد منها لزوم شهادة الشهود الأربعة ، وأنّه كيف تقع شهادتهم ، وما هو الملاك فيه ؟ فأيّ مقدارٍ من الفصل والتأخير استُفيد منها ، كان ذلك حاكماً على الأدلّة الدالّة على عدم التأخير ؛ فإن استُفيد منها صدور الشهادات الأربع في زمانٍ واحد ، بأن يشرعوا دفعةً ويتمّوا دفعةً ، أو أنّه لابدّ من شهادتهم في مجلسٍ واحد - ولو كان بينهما فصل ساعة أو ساعتين أو غير ذلك من الكيفيّات - كان وقوعها بتلك الكيفيّة مثبتة للحَدّ المشهود عليه ، غير مقتضية لحَدّ القذف على الشاهد ؛ فإنّ لازم ذلك عدم ترتّب القذف عليه . وإذا خرج من مدلول النصوص تحقّق موضوع عدم الإمهال ، وهذا هو السرّ في لزوم الحَدّ في كلّ موردٍ تخلّفت شروط الشهادة ، كظهور فسقهم ، أو عدم حضور بعضهم في مجلس الشهادة وتأخيره ، أو انصراف بعضهم عنها بعد شهادة آخرين ، وغير ذلك .
ثمّ إنّ لازم كون الثابت - حينئذٍ - حَدّ القذف عدم إجرائه إلّابعد مطالبة المقذوف ؛ فإنّ الظاهر أنّه من حقوق الناس ، وليس للحاكم إجراؤه بعد ثبوته إلّابمطالبة صاحبه . ولكن كلمات الأصحاب في هذا الباب مطلق ، ولم يقيّدوه بطلب المقذوف ، كما أنّ نصوص الباب أيضاً كذلك ؛ بل في بعضها وقع الأمر من الإمام عليه السلام بالحَدّ بمجرّد تخلّف شروط الشهادة الكاملة ، وظاهره عدم اشتراطه بشيء .
وعليه : فإمّا أن تُحمل النصوص على كون المقذوف في مواردها حاضراً في المكان طالباً للحَدّ على الشهود ، كما هو طبع الحال لو كان حاضراً . وكذا يقيّد كلمات الأصحاب بصورة مطالبة ذي الحقّ .
أو يفرّق بين الشاهد والقاذف ، فيحكم باستحقاق الأوّل حَدّ القذف مطلقاً ، ولو لم يطالبه المفتري عليه ؛ عملًا بظاهر النصّ ، وتعظيماً لأمر الشهادة ، ولزوم اهتمامهم بها ، وعدم تساهلهم مع كون عدم ثبوت المشهود عليه ، وتحقّق موضوع القذف في مورده مفروضاً .
وأمّا القاذف ، فيُقال بتوقّف إجراء الحَدّ عليه على مطالبة المقذوف ، بمعنى أنّ الحاكم يكلّفه بالإثبات ؛ فإن تمكّن منه بإقامة الشهود أو الملاعنة مثلًا ، أو اتّفق اعتراف المقذوف ،