شرح
أقول : لا يمكن الالتزام بنسخ الآية الشريفة بآيتي البقرة والممتحنة ، لوجوهٍ :
أوّلها : أنّه لا موجب لذلك بعد عدم وجود التعارض في دلالتها ؛ لما عرفت : من أنّ الظاهر من المشركات في آية البقرة غير الكتابيّات ، ومن الكوافر في آية الممتحنة خصوص المشركات ، وهنّ اللآئي بقين في مكّة ، وغيرها من أزواج المؤمنين ولم يهاجرن معهم بقرينة قوله تعالى : « وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ » « 1 » ، فحرّم اللّه التمسّك بعلقة زواجهنّ ورخّص في طلب مهورهنّ ، كما أنّ أهل الشرك طلبوا مهور نسائهم المهاجرات .
وثانيها : أنّه بعد فرض عموم الكلمتين فالنسبة بينهما وبين آية المائدة عموم مطلق ، فمقتضى القاعدة لزوم تخصيصهما بها وإخراج الكتابيّات عنهما .
وثالثها : أنّه يمكن إبقاء العامّين على عمومهما للكتابيّات ، إلّاأنّه حيث ورد فيهنّ الحلّيّة كان المستفاد منهما الكراهة ؛ فإنّ استفادة الوجوب والحرمة من الأوامر والنواهي إنّما هي من جهة عدم تعقّبهما بما يدلّ على الترخيص في الترك أو الفعل ، وإلّا فلا تدلّان إلّاعلى أصل الطلب والزجر .
ورابعها : أنّ الثابت في كيفيّة نزول السور منجماً أنّ البقرة أوّل سورةٍ نزلت في المدينة بعد الهجرة ، والممتحنة نزلت قبل فتح مكّة ، وأنّ آخر ما نزلت على النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله سورة المائدة ، فكيف تكون آيتا البقرة والممتحنة ناسختين لآية المائدة ؟ وهل يمكن نسخ الحكم قبل جعله وإنشائه بأعوام ؟
هذا مع أنّه لا يعقل ورود نسخين لحكمٍ واحدٍ في زمانين مختلفين ، وهل يمكن نسخ المنسوخ ؟
وخامسها : تعارض نصوص النسخ مع مادلّ على عدم منسوخيّة آية المائدة ، بل وعلى كونها هي الناسخة لغيرها ، وهي أخبار كثيرة لا يمكن طرحها :
هامش
( 1 ) . الممتحنة ( 60 ) : 10 .