شرح
المثوبة والعقوبة عليه ، بل وهي التي تجعل نفس الإرادة اختياريّةً بحيث لا تستلزم التسلسل ، ولذا قال في « كفاية الأصول » - في جواب من قال : إنّ القصد لا يكون اختياريّاً وإلّا لتسلسل : « إنّ الاختيار ، وإن لم يكن بالاختيار ، إلّاأنّ بعض مبادئه غالباً يكون وجوده بالاختيار للتمكّن من عدمه ، بالتأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللوم والمذّمة » « 1 » .
وعليه : فلو لم تصل النوبة في الشخص المريد إلى ذلك : إمّا لغفلته بالكلّيّة ، أو لقلّة شعوره كالصبيّ والمجنون ، أو لغلبة الغضب أو الشهوة كان الفعل إراديّاً غير اختياري ، فالحكم باستحقاقه العقاب - حينئذٍ - غير سديد .
فالصادر من الإنسان قد يكون إراديّاً غير اختياري ، وقد يكون إراديّاً اختياريّاً ، وقد يشاهد في الحيوان ما يكشف عن وجود هذه الإرادة فيه ، فترى أنّ الكلب والهرّ والقرد - مثلًا - قد تريد الصعود إلى مرتفع فتنظر وتلاحظ ، فتثب نحوه تارةً وتنصرف أخرى ، بحيث يظهر من حالها التردّد ولحاظ الإمكان وصلاحيّة الوثوب .
وأمّا الملائكة ، فالظاهر أنّهم مريدون في أفعالهم لا مختارون ، فهم بمجرّد العلم بكون شيءٍ مراداً للّه تعالى يريدون ذلك من غير خطور أمرٍ آخر في بالهم ، أو أنّ إرادتهم تحصل بإرادة اللّه تعالى ، فإرادة الربّ تعالى بالنسبة إلى إرادتهم تكوينيّة ، وبالنسبة إلى إرادتنا تشريعيّة .
إذا عرفت ذلك فحيث إنّ العقد إيجاد اللفظ بقصد وجود المعنى فلابدّ فيه من إرادتين :
الإرادة الأوّليّة المتعلّقة بالمنشأ ، والتبعيّة المتعلّقة بما به الإنشاء وهو الصيغة ، ودعوى حصولهما من السكران والنائم لا تخلو من تحكّم ، واللفظ الصادر منهم مسبّب عن القسم الأوّل من الإرادة ، فلا عقد حينئذٍ ، مع أنّه لو سلّمنا كونها من القسم الثاني أيضاً كان الحكم
هامش
( 1 ) . كفاية الأصول 2 : 260 - 261 .