شرح
وزارته تكون بعد البلوغ ، وأمّا منتهاه فهو بلوغهم النكاح ؛ أي : زمان التزويج الذي عيّنه الشرع لا العرف والعادة ، وحمل النكاح على الوطء وإرادة زمان القدرة عليه خلاف ما نراه من التأدّب في الاستعمالات الكتابيّة .
السادس : أنّه قيل : معنى الرشد : العقل أو الدين أو الصلاح . والكلّ غير ظاهر ، فإنّ الرشد في اللغة ضدّ الغيّ ، فهو الاهتداء والاستقامة ، والمراد هنا : قدرته الفكريّة على الاهتداء إلى حفظ المال وحسن تدبيره والتصرّف فيه ، ويقابله هنا السفه والسفاهة والسفاهيّة ، وهو عدم قدرته على ذلك وإضاعته المال وإتلافه . والسرّ في تحديد أزمنة الابتلاء بما قبل البلوغ من جهة أنّه لولا ذلك لزم منع المالك البالغ عن التصرّف في أمواله برهةً من الزمان اختباراً لرشده ، وهو إضرار عليه مع إمكان حصوله قبله .
وفي « الشرائع » : « ويعلم رشده باختباره بما يلائمه من التصرّفات ليعلم قوّته على المكايسة في المبايعات وتحفّظه من الانخداع ، وأمّا السفيه : فهو الذي يصرف أمواله في غير الأغراض الصحيحة » « 1 » .
السابع : أنّ في قوله تعالى : « فَإِنْ ءَانَسْتُم مّنْهُمْ رُشْدًا » « 2 » احتمالين :
أحدهما : أنّ الفاء في قوله : « فإن آنستم » للتفريع ، والقضيّة الشرطيّة متفرّعة على الابتلاء ، والمعنى : متى آنستم الرشد في أزمنة الابتلاء وجب دفع أموالهم ؛ لأنّ الإيناس معلول الابتلاء ، ولزوم الدفع معلول الإيناس فلا فصل بينها .
وهذا الاحتمال مرجوح ؛ لأنّه ينافي دلالة « إذا » على الشرطيّة ، لأنّ المحصّل من الكلام - حينئذٍ - : اختبروا اليتامى إلى زمان النكاح ، ومتى علمتم الرشد منهم في هذه المدّة ادفعوا إليهم أموالهم .
ثانيهما : أنّ كلمة « إذا » شرطيّة استقباليّة ، والجواب مجموع الجملة الشرطيّة الثانية ،
هامش
( 1 ) . شرائع الإسلام 2 : 352 - 353 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 6 .