شرح
إغواء الإنسان وحمله على الانتفاع المحرّم منها ، وهو لا يصحّح إسناد التزيين إليه ، وحينئذٍ : فكيف يصحّ نهيه تعالى عن الانتفاع بها ، وهلّا يكون ذلك مخالفاً للعقل ؟
ولقوله تعالى : « وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ » « 1 » ، وقوله : « هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا » « 2 » ، وقوله : « يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ » « 3 » ، وقوله : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ » « 4 » وغير ذلك من الآيات والنصوص .
فالآية الشريفة مسوقة للتنبيه على أن يكون نظر الإنسان في الانتفاع بها نظراً مقدّميّاً آليّاً لغرض البقاء أيّاماً معدودات في الدنيا ، والوصول بالانتفاع بها إلى الكمال اللائق بحاله ، لا نظراً استقلاليّاً يوجب الحرص في جمعها وادّخارها والاشتغال بها والغفلة عن الأهداف العالية الإلهيّة ، ونعوذُ باللَّه من ذلك ، ولذلك قال : « ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ » « 5 » ، والمتاع كلّ ما ينتفع به .
والغرض أنّ تلك الشهوات لابدّ أن تكون متعة وزاداً للطريق ، وعنده الباقيات الصالحات عند الرجوع إليه ، ويؤكّد هذا أيضاً قوله تعالى بعد الآية : « قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ » « 6 » .
الأمر الخامس : قد يتراءى من الأصحاب في مسألة استحباب النكاح بالعنوان الأوّلي تفصيلين :
أحدهما : التفصيل بين واجد القوّة الشهويّة وفاقدها ، إمّا لصغرٍ أو لكبرٍ أو لعُنّةٍ أو لمرضٍ
هامش
( 1 ) . الرحمن ( 55 ) : 10 .
( 2 ) . هود ( 11 ) : 61 .
( 3 ) . المؤمنون ( 23 ) : 51 .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 172 .
( 5 ) . آل عمران ( 3 ) : 14 .
( 6 ) . آل عمران ( 3 ) : 15 .