شرح
أمّا الأوّل : فلأنّ مدح يحيى النبيّ عليه السلام بكونه حَصوراً لا يثبت حسنه حتّى في شرعنا وملّتنا :
أمّا أوّلًا : فلأنّ الحصر بمعنى التضييق ، وكان يحيى عليه السلام مبالغاً في حبس نفسه والتضييق عليها في ارتكاب اللعب والملاهي دون التزويج ، كما روي : أنّه مرّ في حال صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب ، فقال : ما للعب خُلقتُ ! « 1 »
وثانياً : أنّه مع فرض كون المدح لامتناعه عن التزويج فالرهبانيّة وترك التزويج والاشتغال بالعبادة كانت جزءاً من شريعة عيسى عليه السلام وكان يحيى عليه السلام تابعاً له في الدين ، وقد نسخ هذا الحكم في شرعنا قطعاً .
وثالثاً : أنّه على فرض كون الحكم في شرعهما مثل شرعنا فهما كانا نبيّين مأمورين بالسياحة وإبلاغ الدين في محطّ دائرة نبوّتهما ومختلف بقاعها ، ومن هذا شأنه لا يحسن في حقّه التزويج الملازم لصرف الوقت في إدارة أمور العائلة ؛ فإنّ الأوّل أرجح من الثاني - حينئذٍ - قطعاً كان في شرعهم أو شرعنا ، فهذا خارج عن محلّ البحث .
وأمّا الثاني : ففيه : أنّ التزويج والاشتغال بوظائف إدارة العائلة لا تقصر عن سائر العبادات لغالب الناس حتّى الإقامة في المساجد والاشتغال بالصلاة والدعاء ونحوهما .
نعم ، قد ينافيه الاشتغال بالعلوم الدينيّة فيما إذا كان واجباً عينيّاً أو كفائيّاً ولم يقدر المكلّف على الجمع بينهما ، وحينئذٍ : لا بأس بالقول برجحان ترك التزويج أو بوجوبه إذا لم يقع في المعصية ، وهذا يرجع إلى العنوان الثاني .
وأمّا الثالث : فلأنّ الظاهر أنّ المزيِّن هو اللَّه تعالى بخلق الأعيان الخارجة عن وجود الإنسان على كيفيّة صالحة للانتفاع بها قابلة للالتذاذ منها ، وإيداعه في فطرة الإنسان قوى مختلفة تقتضي تلك الأعيان وتشتهيها ، وهذا هو المراد بالتزيين حقيقة وهو فعل اللَّه تعالى ولا دخل للشيطان في خلق شيء من المزيَّن له والمزيَّن به . نعم يسعى بتسويلاته في
هامش
( 1 ) . إرشاد القلوب 1 : 25 ؛ التفسير الصافي 1 : 334 ؛ بحارالأنوار 14 : 185 / 36 .