شرح
وأمّا الثاني : فكقوله تعالى : « أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا » « 1 » ، « قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ » « 2 » ، « قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ » « 3 » إلى غير ذلك .
وحينئذٍ : فالاستدلال بالآية مبنيّ على إثبات الاستعمال في المعاني المشتركة مجازاً ، وصاحب الجواهر ادّعى الدلالة ولو قلنا بكونها بمعنى « كيف » كما عرفت .
لكن ذلك يتمّ مع عدم احتمال كونها بمعنى متى الزمانيّة وهو محتمل قطعاً .
ويخدش ثانياً : بورود نصّ مصرّح بعدم كون المراد من الكلمة المكان ، كصحيح معمّر بن خلّاد ، قال : قال لي أبو الحسن عليه السلام :
« أيّ شيء يقولون في إتيان النساء في أعجازهنّ ؟ »
قلتُ :
إنّه بلغني أنّ أهل المدينة ( أهل الكتاب ، كما في التهذيب ) لا يرون به بأساً ، فقال عليه السلام :
« إنّ اليهود كانت تقول : إذا أتى الرجل المرأة من خلفها خرج الولد أحول ، فأنزل اللَّه عز وجل : « نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » من خَلف أو قُدّام ، خلافاً لليهود ولم يعنِ في أدبارهنّ » « 4 »
. أقول : نسبة جواز الوطء دُبراً لأهل الكتاب الموجودين في زمان صدور الصحيح - على ما تظهر من نسخة « التهذيب » « 5 » ومن ذيل الصحيح - غير بعيدة لاحتمال ذلك .
وأمّا نسبته إلى أهل المدينة مع كون المشهور الذي كاد أن يكون إجماعاً منهم عدم الجواز بعيدة جدّاً ، ولعلّهم كانوا أتباع مالك أو الشافعي على أحد قوليهما .
ويظهر من جواب الإمام عليه السلام أنّ القائل كان مستنداً بقوله تعالى : « أَنَّى شِئْتُمْ » أو أنّه كان مختلجاً في ذهن معمّر بن خلّاد ، وعلى الأوّل : فيكشف الخبر أنّه كان لليهود - آنئذٍ - مزعمتان : جواز الوطء دُبراً ، وحرمة الوطء في الفرج من خلف ، فبيّن الإمام عليه السلام أنّ الآية ناظرة إلى ردّ الثاني ، ولا نظر فيها للأوّل .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 259 .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 40 .
( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 47 .
( 4 ) . وسائل الشيعة 20 : 141 ، كتاب النكاح ، أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ، الباب 72 ، الحديث 1 .
( 5 ) . تهذيب الأحكام 7 : 460 / 1841 .