شرح
ثمّ إنّه قد يستدلّ على المطلب بقوله تعالى : « فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْىِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ » « 1 » ؛ فإنّ ظاهر الآية الشريفة استعمال كلمة « الإحصار » في معناها اللغوي ، وهو مطلق الصدّ والمنع عن العمل المقصود ، كان بأمرٍ داخلي في وجود العامل - كالمرض ، والكسر ، والعرج ، ونحوها - أو بأمرٍ خارجيّ ، كالعدوّ ، واللص ، وعمّال الدولة ، ونحوهما ؛ فيجب عليه - حينئذٍ - الهدي ، فإنّ قوله تعالى : « فَمَا اسْتَيْسَرَ » أي : فعليه ما استيسر .
وفي التقريرات ما حاصله : « أنّ الآية شاملة للحصر والصدّ ؛ لأنّ الحصر لغةً المنع ، ومنه قوله تعالى : « لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَايَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ » « 2 » ؛ أي مُنعوا من الحركة والسعي في تحصيل معاشهم ، إمّا لخوف العدوّ من الكفّار ، وإمّا لمرضٍ وفقر ، وإمّا للاشتغال بطاعة اللّه تعالى في العلم والعبادة .
وممّا يؤكّد ذلك : أنّ الآية وردت في صدّ المشركين لرسول اللّه صلى الله عليه وآله في الحديبيّة ، فنحر صلى الله عليه وآله فيها ورجع . ويؤكّده أيضاً أنّ الآية مسترسلة مرتبطٌ بعضها ببعض ، فبيّن أوّلًا وجوب الإتمام وعدم جواز رفع اليد عنهما بعد الشروع » ، ثمّ قال : « « فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ » ؛ أي إن تعذّر عليكم إتمام الحجّ والعمرة ، فعليكم الهَدي » ، ثمّ قال : ولكن لا تحلقوا رؤوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه ، ثمّ استثنى من ذلك من كان مريضاً محوجاً إلى الحلق أو به أذىً .
فقوله تعالى : « فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً » أقوى شاهد على أنّ المراد بالحصر المذكور في صدر الآية ليس خصوص المرض ؛ بل مطلق المنع عن الحجّ ، وهو المقسم ؛ وإلّا فلو كان الحصر في الآية بمعنى المرض ، فلا يلتئم مع قوله تعالى : « فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً » . فمعنى
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 196 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 273 .