شرح
الإحرام أو نيّة العمل المترتّب عليه . ومنه يعلم كونه النيّة والتلبية ، أو هما مع لبس الثوبين ، وليس هو التوطين قلباً على ترك المحرّمات أيضاً ؛ لأنّك ستعرف أنّه ليس هو حقيقةالإحرام . والحقّ أن يُقال : إنّه لمّا كان الإحرام - لغةً - تحريم الشيء على النفس أو الغير أو جعلالنفس في حرمة وحرز - لأنّهم ، ذكروا أنّ « أحْرَمَ » بمعنى دخل في الحرم ، أو دخل في حرمةٍلا تُهتك وكانت له ذمّة - فإن أريد به هنا المعنى الأوّل كان معناه تحريم المحرّمات المعهودةعلى نفسه ، وحيث إنّه بيد الشارع كان إيجاده بإيجاد سببه وهو التلبية ، فحقيقة الإحرام - حينئذٍ - هي التلبية ، كما أنّ تحريم الصلاة التكبير . وإنْ أريد المعنى الثاني ، فالإحرام أمرٌ اعتباري ، وهو جعل النفس في حصن التعهّدوحرزه بحيث لا يهتكه بإتيان شيء من المحرّمات ، وهذا أقرب من سابقه . فالمتحصّل : أنّه أمرٌ اعتباري يعتبر بمجرّد التلفّظ بالتلبية فقط ، أو بها مع الإشعار أوالتقليد ، فإذا قصد المنسك الخاصّ الذي أوّل جزئه التلبية من العمرة أو الحجّ ولبّى بقصدالإتيان به ، اعتبر عند الشرع والمتشرّعة عنوان الإحرام واتّصف الناسك بعنوان المُحرم إلىآخر العمل ، والآثار الشرعيّة من تحريم المحرّمات مترتّبة على ثبوت هذا العنوان وحصولهكسائر الأمور الاعتباريّة المنشأة بالألفاظ ، وهو أشبه شيء بالصلاة التي تكون التكبيرة أوّلجزء منها ، فإذا قصد المصلّي الظهر - مثلًا - فكبّر بقصدها صدق على التكبير عنوان الإحرامإلّا أنّ في الصلاة ليس أمر اعتباري يُنشأ أو يعتبر بالتكبير . وعلى هذا ، فالأولى أن نقول : إنّه ليس حقيقة الإحرام هو التلبية ، بل هي ذاك الأمرالاعتباري ، والتلبية سببٌ لاعتباره ، كما أنّه ليس حقيقته النيّة - كما عرفت - ولا التوطينعلى ترك المحرّمات ؛ فإنّه يطلق المُحرم على الناسك إلى تمام الأعمال ، وهو غير ملبٍّغالباً ، بل قد يجب عليه ترك التلبية ، ولا موطّن النفس ؛ فإنّه يصحّ الإحرام ممّن لا يعرفالمحرّمات أصلًا ، فضلًا عن الالتزام بتركها .