تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
لا هذا ولا ذاك ؟ ! وقد جنح البعض إلى الافراط إلى درجة أنهم أساؤوا إلى مقام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وساحته المقدسة ، وزعموا أن الآيات المذكورة أنفا دليل على إمكان صدور العصيان والذنب من قبل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولم يراعوا - على الأقل - الأدب الذي رعاه الله العظيم في تعبيره عن نبيه الكريم ، إذ بدأ بالعفو ثم ثنى بالعتاب والمؤاخذة ، فوقعوا في ضلال عجيب . والإنصاف أنه لا دليل في الآية على صدور أي ذنب أو معصية من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وحتى ظاهر الآية لا يدل على ذلك ، لأن جميع القرائن تثبت أن النبي سواء أذن لهم أم لم يأذن ، فإنهم لم يكونوا ليساهموا في معركة تبوك ، وعلى فرض مساهمتهم فيها لم يحلوا مشكلة من أمر المسلمين ، بل يزيدون الطين بلة ، كما سنقرأ في الآيات التالية قوله تعالى : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا . فبناء على ذلك فإن المسلمين لم يفقدوا أية مصلحة بإذن النبي لأولئك بالانصراف ، غاية الأمر أنه لو لم يأذن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لهم فسرعان ما ينكشف أمرهم ويعرفهم المسلمون ، غير أن هذا الموضوع لم يكن من الأهمية بحيث أن ذهابهم وفقدانهم موجبا لارتكاب ذنب أو عصيان . وربما يمكن أن يسمى ذلك تركا للأولى فحسب ، بمعنى أن إذن النبي لهم في تلك الظروف ، وبما أظهره أولئك المنافقون من الأعذار بأيمانهم ، وإن لم يكن أمرا سيئا ، إلا أن ترك الإذن كان أفضل منه ، لتعرف هذه الجماعة بسرعة . كما يحتمل في تفسير الآية هو أن العتاب أو الخطاب المذكور آنفا إنما هو على سبيل الكناية ، ولم يكن في الأمر حتى " ترك الأولى " بل المراد بيان روح النفاق في المنافقين ببيان لطيف وكناية في المقام . ويمكن أن يتضح هذا الموضوع بذكر مثال فلنفرض أن ظالما يريد أن يلطم وجه ابنك ، إلا أن أحد أصدقائك يحول بينه وبين مراده فيمسك يده فقد تكون