تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
تفرحوا بما آتاكم ( 1 ) . فلم يكن لهم تعلق بما كان في أيديهم سابقا ، ولا يصيبهم الغم والحزن في اليوم الذي سيفارقونه ، فإن روحهم أكبر ، وفكرهم أسمى من أن تؤثر فيهم مثل هذه الحوادث في الماضي والمستقبل . على هذا الأساس فإن الأمن والطمأنينة الواقعية هي الحاكمة على وجودهم ، وعلى حد قول القرآن : أولئك لهم الأمن ( 2 ) ، وبتعبير آخر : ألا بذكر الله تطمئن القلوب ( 3 ) . والخلاصة هي أن الحزن والخوف عند البشر يتولدان عادة من حب الدنيا ، فمن الطبيعي أن لا يصيب هؤلاء الذين نفضوا أيديهم وقلوبهم من حبها خوف ، أو حزن . كان هذا هو البيان الإستدلالي للمسألة ، وقد يعرض هذا الموضوع أحيانا ببيان آخر يتخذ شكلا عرفانيا بهذه الصورة : إن أولياء الله غارقون في صفات جماله وجلاله ، وذائبون في مشاهدة ذاته المقدسة إلى الحد نسوا كل شئ غيره ، ومعلوم أن الغم والحزن والخوف والوحشة تحتاج حتما إلى تصور فقدان وخسارة شئ ما ، أو مواجهة عدو أو موجود خطر ، فمن لم يجعل لغير الله مكانا في قلبه ولا طريقا إلى فكره ، ولا يقبل في روحه إله غيره ، كيف يمكن أن يغتم ويخاف ويستوحش ؟ لقد اتضحت مما قلناه هذه الحقيقة أيضا ، وهي أن المقصود من الغموم هي الغموم المادية والأخاويف الدنيوية ، وإلا فإن وجود أولياء الله مملوء بالخوف والخشية . . الخوف من عدم أداء الواجبات والمسؤولية . والأسف والحسرة على أن يكون قد فاتهم شئ من الموفقية ، ولهذا الخوف والحسرة صفة معنوية ، فهما أساس تكامل وجود الإنسان ورقيه ، بعكس الخوف والحزن الدنيويين فهما
هامش
( 1 ) الحديد ، 23 . ( 2 ) الأنعام ، 82 . ( 3 ) الرعد ، 28 .