تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
من الناس بدل أن يؤدوا شكر هذه النعمة ، فإنهم يكفرون بها ، ويحرمون أنفسهم من هذه النعمة بأحكامهم الخرافية وممنوعاتها . وحتى لا يتصور أحد أن هذه المهلة الإلهية دليل على عدم إحاطة علم الله سبحانه بكل أعمال هؤلاء ، فإن آخر آية من آيات البحث تبين هذه الحقيقة بأبلغ عبارة وتوضح أن الله مطلع على كل ذرات الموجودات في خفايا السماء والأرض ، ومطلع على دقائق أعمال العباد ، فتقول : وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ( 1 ) . " الشهود " جمع شاهد ، وهو في الأصل بمعنى الحضور المقترن بالمشاهدة بالعين أو القلب أو الفكر ، والتعبير بالجمع إشارة إلى أن الله سبحانه ليس وحده المراقب لأعمال البشر ، بل إن الملائكة المطيعين لأمره مطلعون أيضا على كل هذه الأعمال وناظرون إليها . وكما أشرنا سابقا ، فإن التعبير بصيغة الجمع في حق الله سبحانه مع أن ذاته المقدسة أوحدية من جميع الجهات ، إشارة إلى عظمة مقامه ، وأن له دائما مأمورين مطيعين مستعدين لتنفيذ أمره والواقع فإن الكلام ليس عن الله وحده ، بل عنه وعن كل هؤلاء المأمورين المطيعين . ثم تعقب الآية على مسألة اطلاع الله على كل شئ بتأكيد أكبر ، فتقول : وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . " يعزب " مأخوذة من العزوب ، وهو في الأصل بمعنى الابتعاد عن البيت والأهل في سبيل إيجاد وتهيئة المراتع للأغنام والحيوانات ، ثم استعملت بمعنى الغيبة والاختفاء بصورة مطلقة .
هامش
( 1 ) لقد أرجع البعض ضمير ( منه ) إلى الله ، أي إن الآيات التي تتلوها من الله ، إلا أن الضمير يرجع إلى الشأن أو القرآن ظاهرا ، كما قاله كثير من المفسرين ، أي الآيات التي تتلوها في كل عمل مهم ، أو الآيات التي تتلوها من القرآن .