تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
تتضمن جواب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شاهدة على هذا المطلب . على كل حال ، فإن هؤلاء أرادوا بهذه الكلمات أن يظهروا عدم اهتمامهم بتهديدات النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من جهة ، وتقوية قلوب الذين خافوا من هذه التهديدات وتهدئة خواطرهم ليرجعوا إلى صفوفهم . وفي مقابل هذا السؤال ، فإن الله سبحانه أمر نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يجيبهم بعدة طرق : فيقول أولا : قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله فإني لست إلا رسوله ونبيه ، وإن تعيين موعد نزول العذاب بيده فقط ، وإذا كنت لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ، فمن باب الأولى أن لا أملكهما لكم . إن هذه الجملة في الحقيقة إشارة إلى توحيد الأفعال حيث يرتبط كل شئ في هذا العالم بالله سبحانه ، وكل الحركات والافعال معلولة لإرادته ومشيئته ، فهو الذي ينصر المؤمنين بحكمته ، وهو الذي يجازي المنحرفين بعدالته . من البديهي أن ذلك لا ينافي أن الله قد أعطانا قوى وطاقات نملك بواسطتها جلب النفع ودفع الضرر ، ونستطيع أن نختار ما يتعلق بمصيرنا ، وبتعبير آخر فإن هذه الآية تنفي الملكية بالذات لا بالغير ، وجملة إلا ما شاء الله قرينة واضحة على هذا الموضوع . ومن هنا يعلم أن استدلال بعض المتعصبين - ككاتب تفسير المنار - بهذه الآية على نفي جواز التوسل بالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ضعيف جدا ، لأنه إذا كان المقصود من التوسل أن نعتبر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذا قدرة ذاتية ومالكا للنفع والضر ، فإن هذا شرك قطعا ، ولا يمكن أن يؤمن بهذا أي مسلم ، أما إذا كانت هذه الملكية من الله سبحانه وهي داخلة تحت عنوان : إلا ما شاء الله ، فما المانع من ذلك ؟ وهذا هو عين الإيمان والتوحيد . إلا أنه نتيجة الغفلة عن هذه النكتة أتلف وقته ووقت قراء تفسيره بالبحوث الطويلة ، وهو مع الأسف ( رغم كل الامتيازات الموجودة في تفسيره ) قد ارتكب كثيرا من هذه الأخطاء ، والتي يمكن اعتبار التعصب منبعها جميعا !
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 373 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي