تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وقد ذكر هذا الموضوع كل المفسرين الإسلاميين ، وكثير من كتب التاريخ والحديث ، مع وجود اختلافات في جزئياته . وخلاصة القضية - كما تستفاد من التفاسير والأحاديث المختلفة - أن جماعة من المنافقين أتوا إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وطلبوا منه أن يسمح لهم ببناء مسجد في حي بني سليم - قرب مسجد قبا - حتى يصلي فيه العاجزون والمرضى والشيوخ ، وكذلك ليصلي فيه جماعة من الناس الذين لا يستطيعون أن يحضروا مسجد قبا في الأيام الممطرة ، ويؤدوا فرائضهم الإسلامية ، وكان ذلك في الوقت الذي كان فيه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عازما على التوجه إلى تبوك . فأذن لهم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إلا أنهم لم يكتفوا بذلك ، بل طلبوا منه أن يصلي فيه ، فأخبرهم بأنه عازم على السفر الآن ، وعند عودته بإذن الله فسوف يأتي مسجدهم ويصلي فيه . فلما رجع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من تبوك حضروا عنده وطلبوا منه الحضور في مسجدهم والصلاة فيه ، وأن يدعوا الله لهم بالبركة ، وكان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يدخل بعد أبواب المدينة ، فنزل الوحي وتلا عليه هذه الآيات ، وكشف الستار عن الأعمال هؤلاء ، فأمر النبي بحرق المسجد المذكور ، وبهدم بقاياه ، وأن يجعل مكانه محلا لرمي القاذورات والأوساخ . إذا نظرنا إلى الوجه الظاهري لهذا العمل ، فسوف نتحير في البداية ، فهل أن بناء مسجد لحماية المرضى والطاعنين في السنن من الظروف الطارئة ، والذي هو في حقيقته عمل ديني وخدمة إنسانية ، يعد عملا مضرا وسيئا حتى يصدر في حقه هذا الحكم ؟ إلا أننا إذا دققنا النظر في الواقع الباطني وحققناه رأينا أن هذا الأمر بهدمه في منتهى الدقة . وتوضيح ذلك ، أن رجلا في زمن الجاهلية يقال له : أبو عامر ، كان قد اعتنق النصرانية ، وسلك مسلك الرهبانية ، وكان يعد من الزهاد والعباد وله نفوذ واسع في