تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
أن الله الغفور الرحيم سيعفي هؤلاء عن الحضور حتما ، ويعفو عنهم . ويستفاد من جملة من الروايات التي نقلها المفسرون في ذيل هذه الآية ، أن هذه المجموعات المعذورة لا يقتصر الأمر فيهم على السماح لهم في التخلف وعدم مؤاخذتهم فحسب ، بل إن أفرادها لهم من الجزاء والثواب كثواب المجاهدين الذين حضروا وقاتلوا ، كل على قدر اشتياقه وتحرقه للمشاركة ، فنحن نقف على حديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ونقرأ : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما قفل من غزوة تبوك فأشرف على المدينة قال : " لقد تركتم بالمدينة رجالا ما سرتم في مسير ، ولا أنفقتم من نفقة ، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم فيه قالوا : " وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ قال : حبسهم العذر " ( 1 ) . ثم تشير الآية إلى الفئة الرابعة من المعفو عنهم وهؤلاء هم الذين حضروا - بشوق - عند النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وطلبوا منه أن يحملهم على الدواب للمشاركة في الجهاد ، فاعتذر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنه لا يملك ما يحملهم عليه ، فخرجوا من عنده وعيونهم تفيض من الدمع حزنا وأسفا على ما فاتهم ، وعلى أنهم لا يملكون ما ينفقونه في سبيل الله : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون . " تفيض " من مادة الفيضان ، أي الانسكاب والتساقط بعد الامتلاء ، فإن الإنسان إذا أهمه أمر أو دهمته مصيبة ، فإذا لم تكن شديدة اغرورقت عيناه بالدموع وامتلأت دون أن تجري ، أما إذا وصلت إلى مرحلة يضعف الإنسان عن تحملها سالت دموعه . إن في هذه دلالة على أن هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كانوا عشاقا ومولهين بالجهاد إلى درجة أنهم لما رخص لهم في البقاء لم يكتفوا بالتأسف والهم لهذه الرخصة ، بل إنهم جرت دموعهم كما لو فقد إنسان أعز أصدقائه وأحبائه ،
هامش
( 1 ) الدر المنثور ، طبقا لنقل الميزان ، ج 9 ، ص 386 .