وعن المحاسن إلى المساوى وعن المحامد إلى الذمائم ويمكن ان يراد به الطريقة المستوية بالقياس إلى حدود اللّه من فرائضه ومحارمه باعتبار عدم ميله وتجاوزه عنها بالاخلال بالفرائض وارتكاب المحارم وهذا كما ترى لا يغاير بالذات ما ستعرفه من المعنى العرفي الفقهائى بل متحدان ذاتا ويتغايران بالاجمال والتفصيل كالانسان والحيوان الناطق
[ معنى العدالة ]
قوله وامّا عرف الفقهاء والاصوليّين اه
وتخصيصه بعرف الفقهاء والأصوليّين باعتبار انهم المتعرّضون للبيان التفصيلي لمعنى العدالة حيث أضيفت إلى الانسان فان العدالة بمعنى الاستقامة اى الحالة المتوسّطة والطريقة المستقيمة في الانسان ان يكون له ملكة تمنعه من ارتكاب الكبائر والاصرار على الصّغائر كما أومأنا اليه سابقا وليس معناه انه اصطلاح خاصّ لهم حصل بالنقل وفي ذلك تنبيه على عدم كونها في هذا المعنى من الحقائق الشرعيّة ولا المتشرعية ونسبته إلى الشرع كما في كلام غير واحد لعلّها من جهة ان المتعرّضين لبيانه وتعريفه من أهل الشرع أو لان الشارع لاحظه ورتّب عليه احكاما كما في ساير الموضوعات اللّغوية أو العرفية وعلى هذا فالعدالة مبقاة على ما كانت عليه لغة غاية الأمر انّها حيثما تطلق على عدالة الانسان كان من اطلاق الكلّى على الفرد وهذا غير بعيد نظرا إلى الأصل ان لم يشكل الحال فيه من جهة امكان دعوى ظهور الاستقامة والاستواء في معنى العدالة لغة في الحسّيّين منهما وليست الملكة الموجودة في الانسان حسّيّة فلا بد من التزام النقل ولا يكون الا شرعيّا لكون المعنى المنقول اليه المغاير للمعنى اللغوي ممّا من شانه ان يؤخذ من الشارع وقد اخذ منه بواسطة الروايات الواردة فيه فدعوى ثبوت الحقيقة الشرعيّة كما فيه جزم به شيخنا قده في جواهره ونسبه في مفتاح الكرامة إلى صريح جماعة لا تخلو عن قوّة ويؤيّدها انّه لا يهتدى إلى المعنى المذكور أكثر المتشرّعة ولا سيّما العوام والنّسوان الا من جهة تقليدهم لفقهائهم كسائر الموضوعات الشرعيّة والفقهاء لم يعرفوه الا من جهة الاخبار وما هذا شانه لا يكون الا حقيقة شرعيّة الا ان يدفع بمنع اختصاص المعنى اللّغوى في الحسّى وان تمام حقيقة ذلك المعنى كثيرا ما يخفى على انظار أهل العرف فيكشف عنه الشارع المطّلع على خفايا الأمور
قوله ملكة في النفس تمنعها اه
اعتبار الملكة في معنى العدالة المعتبرة في الشرع هو المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا كما في كلام غير واحد وعن مجمع البرهان انه مشهور بين العامة والخاصّة في الأصول والفروع وعن الفاضل المقداد في كنز العرفان ما يؤذن بدعوى الاجماع عليه حيث نسبه إلى الفقهاء وهذا هو الصّحيح الذي لا محيص عنه والأصل فيه بعد الأصل والاعتبار صحيحة ابن أبي يعفور على ما قرّرناه في توجيه الاستدلال بها في رسالتنا المتفرّدة في العدالة واعلم أنه لا يراد بالملكة هنا ما يكون جبلّة في الانسان بحسب الخلقة الالهيّة بل الهيئة الراسخة في النفس المستند رسوخها فيها إلى نحو من الكسب ولا تكون هذه الهيئة الا الخوف من اللّه سبحانه أو الحياء منه والاوّل اضطراب قلب يعترى الانسان لعلمه بعذابه تعالى وعقابه وانّهما يستحقّ بهما لمعصيته والخروج عن طاعته والأصل الخوف بهذا المعنى الايمان باللّه ووعده ووعيده وبكونه صادق الوعد وبما جاء به النبي ص وبالجنة والنار وبكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية وفرعه الحذر من الاقتحام في المعاصي والآثام ومن شروط تأثيره في حصول الحذر تذكر وعيده وعذابه ومن موانعه الغفلة أو غلبة الشهوة وهوى النفس وله مراتب متكثرة متحدة الذات مختلفة الصفات بحسب الشدة والضّعف واوّل مراتبه خوف من يغلب عليه الشهوة وهوى النفس إلى أن يقع صاحبه في الاثم وأخر مراتبه مرتبة العصمة التي لا يعترى على صاحبها غفلة ولا غلبة شهوة ولا متابعة هوى طرفة عين ابدا وبينهما متوسّطات ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف مراتب الايمان قوّة وضعفا ولذا قيل أخوف الناس لربّه اعرفهم بربّه وبنفسه ويشهد له النبوىّ انا أخوفكم للّه وقال الصادق ع من عرف اللّه خاف اللّه ومن ذلك يعلم وجه الحصر في قوله تعالى وانّما يخشى اللّه من عباده العلماء فان ذلك لكمال معرفتهم بالقياس إلى غيرهم وفي الدعاء عجبا لمن عرفك كيف لا يخافك فكلّما ضعف الايمان ضعف الخوف وكلّما قوى قوى وامّا الثاني فهو عبارة عن تغيّر وانفعال يعترى الانسان عند حضور ذي شان مطّلع عليه وعلى خطيئة لو وقع فيها يعاقب أو يذمّ عليها وأصله فيما بينه وبين الربّ الايمان به وبقدرته وعلمه به وبفعله وانه لا يغرب عن علمه مثقال ذرّة في السّماء ولا في الأرض واثره الامتناع والتثبّط عن الاقدام على ما هو متهيّا للاقدام عليه استقباحا له ومخافة ان يعيبه يذمّه عليه الربّ الجليل الصادق في وعده