تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
وعلى كل حال ، فلا ينبغي تفسير هذا التحريم بشكل جاف يتنافى وأساليب الحروب وخدعها ، والتي هي أساس كثير من الانتصارات . وتختتم الآية محل البحث بالقول : إن جزاء من يفر مضافا إلى استحقاقه لغضب الله فان مصيره إلى النار : ومأواه جهنم وبئس المصير . والفعل " باء " مشتق من " البواء " ومعناه الرجوع واتخاذ المنزل ، جذره في الأصل يعني تصفية محل ما وتسطيحه ، وحيث إن الإنسان إذا نزل في محل عدله وسطحه ، فقد جاءت هذه الكلمة هنا بهذا المعنى . وفي الآية إشارة إلى أن غضب الله مستمر ودائم عليهم ، فكأنهم قد اتخذوا منزلا عند غضب الله . وكلمة " المأوى " في الأصل معناها " الملجأ " وما نقرؤه في الآية ، محل البحث ومأواه جهنم فهو إشارة إلى أن الفارين يطلبون ملجأ ومأوى من فرارهم لينقذوا أنفسهم من الهلكة ، إلا أن ما يحصل هو خلاف ما يطلبون ، إذ ستكون جهنم مأواهم ، وليس ذلك في العالم الآخر فحسب ، بل هو في هذا العالم إذ سيحترقون في جهنم الذلة والانكسار والضياع . ولذا فقد جاء في " عيون الأخبار " عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) في جواب أحد أصحابه حين سأله عن فلسفة تحريم الفرار من الجهاد فقال : " وحرم الله الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين ، والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة عليهم السلام ، وترك نصرتهم على الأعداء ، والعقوبة على إنكار ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية وإظهار العدل وترك الجور وإماتة الفساد ، لما في ذلك من جرءة العدو على المسلمين ، وما يكون من السبي والقتل وإبطال دين الله عز وجل وغيره من الفساد " . ( 1 ) ومن ضمن الامتيازات الكثيرة التي كانت عند الإمام علي ( عليه السلام ) ، وربما يشير
هامش
1 - نور الثقلين ، ج 2 ، ص 138 .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 383 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي