تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
و ( لقيتم ) من مادة ( اللقاء ) بمعنى الاجتماع والمواجهة ، وتأتي في أكثر أحيان بمعنى المواجهة في ميدان الحرب . و ( الزحف ) في الأصل بمعنى الحركة إلى أمر ما بحيث تسحب الأقدام على الأرض كحركة الطفل قبل قدرته على المشي ، أو الإبل المرهقة التي تخط أقدامها على الأرض أثناء سيرها ، ويطلق على الجيش الجرار الذي يشاهد من بعيد وكأنه يحفر الأرض أثناء مسيره . واستخدام كلمة ( زحف ) - في الآية آنفا - تشير إلى أنه بالرغم من أن عدوكم قوي وكثير ، وأنتم قليلون ، فلا ينبغي لكم الفرار من ساحة الحرب ، وكما كان عدوكم كثيرا في ميدان بدر فثبتم وانتصرتم . فالفرار من الحرب يعد في الإسلام من كبائر الذنوب ، إلا أن ذلك مرتبط - كما نبين بعض الآيات - بكون الأعداء ضعفي عدد المسلمين ، وسنبحث هذا الأمر بعون الله في الآيتين ( 65 ) و ( 66 ) من هذه السورة . ولذلك تذكر الآية بعدها جزاء من يفر من ميدان الحرب مع الإشارة لمن يستثنون منهم فتقول : ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله . وكما نرى فقد استثنت الآية صورتين من مسألة الفرار ، ظاهرهما أنهما من صورة الفرار ، غير أنهما في الحقيقة والواقع صورتان للقتال والجهاد . الصورة الأولى : عبر عنها ب‍ " متحرفا لقتال و " متحرف " من مادة ( التحرف ) أي الابتعاد جانبا من الوسط نحو الأطراف والجوانب ، والمقصود بهذه الجملة هو أن المقاتلين يقومون بتكتيك قتالي إزاء الأعداء ، فيفرون من أمامهم نحو الأطراف ليلحقهم الأعداء : ثم يغافلوهم في توجيه ضربة قوية إليهم واستخدام فن الهجوم والانسحاب المتتابع وكما يقول العرب : ( الحرب كر وفر ) . الصورة الثانية : أن يرى المقاتل نفسه وحيدا في ساحة القتال ، فينسحب للالتحاق بإخوانه المقاتلين وليهجم معهم من جديد على الأعداء .