تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
كان أبو سفيان كبير مكة عائدا بقافلة تجارية مهمة مؤلفة من أربعين شخصا ، وتحوي على ثروة تجارته تقدر بخمسين ألف دينار من الشام نحو المدينة . فأمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أصحابه أن يتعبأوا ويتهيأوا لمواجهة هذه القافلة الكبيرة التي تحمل جل رأس مال العدو معها ، وبمصادرة أموال القافلة لتوجيه ضربة اقتصادية نحو العدو وتعقبها ضربة عسكرية قاصمة . وكان للنبي وأصحابه الحق في مثل هذه الحملة أو الهجوم ، لأنه - أولا - عندما هاجر المسلمون من مكة نحو المدينة استولى أهل مكة على كثير من أموالهم ، ونزلت بهم خسارة كبيرة . فكان لهم الحق أن يجبروا مثل هذه الخسارة . ثم بعد هذا كله برهن أهل مكة طيلة الثلاثة عشر عاما التي أقام النبي وأصحابه بمكة خلالها أنهم لا يألون جهدا في إيذاء النبي وأصحابه ، بل أرادوا به الوقيعة والمكيدة ، فإن عدوا كهذا لن يسكت عن النبي ودعوته بمجرد هجرته إلى المدينة ، ومن المسلم به أنه سيعبئ قواه في المستقبل لمواجهة النبي والإيقاع به . إذن فالعقل والمنطق يوجبان أن يسارع المسلمون بمبادرة عاجلة لمصادرة أموال أهل مكة لتدمير دعامتهم الاقتصادية ، وليوفروا على أنفسهم إمكانية التهيؤ العكسري والاقتصادي لمواجهة العدو مستقبلا . وهذه المبادرة كانت ولا تزال في جميع الخطط العسكرية قديمها وحديثها وأما من يرى أن توجه النبي نحو قافلة أبي سفيان - ودون الأخذ بنظر الاعتبار هذه الجهات المشار إليها آنفا - نوعا من الإغارة ، فإما أن يكون جاهلا لا يعرف جذور المسائل التأريخية في الإسلام أو أنه مغرض يريد تحوير الواقعيات والثوابت التاريخية . وعلى كل حال ، فإن أبا سفيان عرف عن طريق أتباعه وأصدقائه تصميم النبي على مواجهة قافلته ، هذا من جهة ، كما أن القافلة حينما كانت متجهة نحو الشام للإتيان بمال التجارة تعرضت لتحركات من هذا القبيل . لهذا فإن أبا سفيان
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 367 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي