ثم تحكي الآية عن مقام النبي الواقعي ورسالته ، في جملة موجزة صريحة ،
فتقول على لسانه : إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون .
* * *
ملاحظة
3 ألم يكن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعلم الغيب ؟ !
يحكم بعض السطحيين لدى قراءتهم لهذه الآية - وبدون الأخذ بنظر
الاعتبار الآيات القرآنية الأخرى ، بل حتى القرائن الموجودة في هذه الآية أيضا
- أن الآية آنفة الذكر دليل على نفي علم الغيب عن الأنبياء نفيا مطلقا . . .
مع أن الآية - محل البحث - تنفي علم الغيب المستقل وبالذات عن النبي ،
كما أنها تنفي القدرة على كل نفع وضر بصورة مستقلة . ونعرف أن كل إنسان
يملك لنفسه وللآخرين النفع أو الضر .
فبناء على ذلك فإن هذه الجملة المتقدمة شاهد واضح على أن الهدف ليس
هو نفي مالكية النفع والضر أو نفي علم الغيب بصورة مطلقة ، بل الهدف نفي
الاستقلال ، وبتعبير آخر : إن النبي لا يعرف شيئا من نفسه ، بل يعرف ما أطلعه الله
عليه من أسرار غيبه ، كما تقول الآيتان ( 26 ) و ( 27 ) من سورة الجن عالم الغيب
فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه
ومن خلفه رصدا .
وأساسا ، فإن كمال مقام القيادة لا سيما إذا كان الهدف قيادة العالم بأسره ،
وفي جميع المجالات المادية والمعنوية ، هو الإحاطة الواسعة بالكثير من
المسائل الخفية عن سائر الناس ، لا المعرفة بأحكام الله وقوانينه فحسب ، بل
المعرفة بأسرار عالم الوجود ، والبناء البشري ، وقسم من حوادث المستقبل
والماضي ، فهذا القسم من العلم يطلعه الله على رسله ، وإذا لم يطلعهم عليه لم