تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
هددهم بأشد التهديدات ، ولكن على العكس من توقعات فرعون أظهر السحرة مقاومة عجيبة تجاه هذين الموقفين ، مقاومة أغرقت فرعون وجهازه في تعجب شديد ، وأفشلت جميع خططه . وبهذه الطريقة وجهوا ضربة ثالثة إلى أركان السلطان الفرعوني المتزلزل ، وقد رسمت الآيات اللاحقة هذا المشهد بصورة رائعة . في البداية يقول : إن فرعونا قال للسحرة : هل آمنتم بموسى قبل أن آذن لكم قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ؟ ! وكأن التغيير ب‍ " به " لأجل تحقير موسى والازدراء به ، وكأنه بجملة " قبل أن آذن لكم " أراد أن يظهر أنه يتحرى الحقيقة ويطلب الحق ، فلو كان عمل موسى ( عليه السلام ) يتسم بالحقيقة والواقعية لأذنت أنا للناس بأن يؤمنوا به ، ولكن استعجالكم أكشفت عن زيفكم ، وأن هناك مؤامرة مبينة ضد شعب مصر . وعلى أية حال ، أفادت الجملة أعلاه أن فرعون الجبار الغارق في جنون السلطة كان يدعي أن لا يحق للشعب أن يتصرف أو يعمل أو يقول شيئا من دون إجازته وإذنه ، بل لا يحق لهم أن يفكروا ويؤمنوا بدون أمره وإذنه أيضا ! ! وهذه هي أعلى درجات الاستعباد والاستحمار ، أن يكون شعب من الشعوب أسيرا وعبدا بحيث لا يحق له حتى التفكير والإيمان القلبي بأحد أو بعقيدة . وهذا هو البرنامج الذي يواصله " الاستعمار الجديد " ، يعني أن المستعمرين لا يكتفون بالاستعمار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، بل يسعون إلى تقوية جذورهم عن طريق الاستعمار الفكري . وتتجلى مظاهر هذا الاستعباد الفكري في البلاد الشيوعية أكثر فأكثر ، بالحدود المغلقة ، والأسوار الحديدية والرقابة الشديدة المفروضة على كل شئ ، وبخاصة على الأجهزة الثقافية .