تعالى : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ( 1 ) .
وأما الإنجيل فقد أطلقت عليه الآية الأخيرة اسم النور .
والقرآن - أيضا - حيث نقرأ قوله تعالى : قد جاءكم من الله نور وكتاب
مبين ( 2 ) .
فكما أن النور يعتبر - في الحقيقة - ضرورة حتمية لجميع الموجودات من
أجل أن تواصل حياتها ، كذلك تكون الأديان الإلهية والشرائع والكتب السماوية
ضرورة حتمية لنضوج وتكامل بني الإنسان .
وقد ثبت من حيث المبدأ أن مصدر كل الطاقات والقوى والحركات وكل
أنواع الجمال هو النور ، فكذلك الحال في تعليمات الأنبياء وارشاداتهم ، فلولاها
لساد الظلام كل القيم الإنسانية سواء الفردية منها أو الاجتماعية ، وهذا ما نلاحظه
في المجتمعات المادية بكل وضوح .
لقد كرر القرآن الكريم في مجالات متعددة أن التوراة والإنجيل هما كتابان
سماويان ، ومع أن هذين الكتابين - دون شك - منزلان في الأصل من قبل الله
سبحانه وتعالى ، لكنهما - بالتأكيد - قد تعرضا بعد حياة الأنبياء إلى التحريف ،
فحذفت منهما حقائق وأضيفت إليهما خرافات ، وأدى ذلك إلى أن يفقدا قيمتهما
الحقيقية ، أو أن الكتب الأصلية تعرضت للنسيان والتجاهل وحلت محلها كتب
أخرى حوت على بعض الحقائق من الكتب الأصلية ( 3 ) .
وعلى هذا الأساس فإن كلمة النور التي أطلقت في القرآن الكريم على هذين
الكتابين ، إنما عنت التوراة والإنجيل الأصليين الحقيقيين .
بعد ذلك تكرر الآية التأكيد على أن عيسى ( عليه السلام ) لم يكن وحده الذي أيد
هامش
1 - المائدة ، 44 .
2 - المائدة ، 15 .
3 - راجع كتابي " الهدى إلى دين المصطفى " و " أنيس الأعلام " لمعرفة تفاصيل التحريف الوارد في الإنجيل والدلائل
التأريخية على ذلك .