تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
3 أعداء الأمس وإخوان اليوم : ثم إن القرآن بعد كل هذا يعطي مثالا حيا من واقع الأمة الإسلامية لأثر الارتباط بالله وهو يذكر - في نفس الوقت - بنعمة الاتحاد والأخوة - تلك النعمة الكبرى - ويدعو المسلمين إلى مراجعة الماضي المؤسف ، ومقارنة ذلك الاختلاف والتمزق بهذه الوحدة القوية الصلبة ويقول : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا . والملفت للنظر هو تكرار كلمة نعمة في هذه الآية مرتين وهو إشعار بأهمية الوحدة هذه الموهبة الإلهية التي لا تحقق إلا في ظل التعاليم الإسلامية والاعتصام بحبل الله . والنقطة الأخرى الجديرة بالاهتمام أيضا هي أن الله نسب تأليف قلوب المؤمنين إلى نفسه فقال فألف بين قلوبكم أي أن الله ألف بين قلوبكم ، وبهذا التعبير يشير القرآن الكريم إلى معجزة اجتماعية عظيمة للإسلام ، لأننا لو لاحظنا ما كان عليه العرب والمجتمع الجاهلي من عداوات واختلافات وما كان يكمن في القلوب من أحقاد طويلة عميقة وما تراكم فيها من ضغائن مستحكمة ، وكيف أن أقل شرارة صغيرة أو مسألة جزئية كانت تكفي لتفجير الحروب ، واندلاع القتال في ذلك المجتمع المشحون بالأحقاد ، وخاصة بالنظر إلى تفشي الأمية والجهل الملازم عادة للإصابة باللجاج والعناد والعصبية ، فإن أفرادا من هذا النوع من الصعب أن يتناسوا أبسط أمورهم فكيف بالأحداث الدامية الكبرى ؟ ومن هنا تتجلى أهمية المعجزة الاجتماعية التي حققها الإسلام حيث وحد الصفوف ، وألف بين القلوب ، وأنسى الأحقاد ، تلك المعجزة التي أثبتت أن تحقيق مثل هذه الوحدة وتأليف تلك القلوب المتنافرة المتباغضة ، وإيجاد أمة واحدة متآخية من ذلك