3 أعداء الأمس وإخوان اليوم :
ثم إن القرآن بعد كل هذا يعطي مثالا حيا من واقع الأمة الإسلامية لأثر
الارتباط بالله وهو يذكر - في نفس الوقت - بنعمة الاتحاد والأخوة - تلك النعمة
الكبرى - ويدعو المسلمين إلى مراجعة الماضي المؤسف ، ومقارنة ذلك الاختلاف
والتمزق بهذه الوحدة القوية الصلبة ويقول : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم
أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا .
والملفت للنظر هو تكرار كلمة نعمة في هذه الآية مرتين وهو إشعار
بأهمية الوحدة هذه الموهبة الإلهية التي لا تحقق إلا في ظل التعاليم الإسلامية
والاعتصام بحبل الله .
والنقطة الأخرى الجديرة بالاهتمام أيضا هي أن الله نسب تأليف قلوب
المؤمنين إلى نفسه فقال فألف بين قلوبكم أي أن الله ألف بين قلوبكم ، وبهذا
التعبير يشير القرآن الكريم إلى معجزة اجتماعية عظيمة للإسلام ، لأننا لو لاحظنا ما
كان عليه العرب والمجتمع الجاهلي من عداوات واختلافات وما كان يكمن في
القلوب من أحقاد طويلة عميقة وما تراكم فيها من ضغائن مستحكمة ، وكيف أن
أقل شرارة صغيرة أو مسألة جزئية كانت تكفي لتفجير الحروب ، واندلاع القتال
في ذلك المجتمع المشحون بالأحقاد ، وخاصة بالنظر إلى تفشي الأمية والجهل
الملازم عادة للإصابة باللجاج والعناد والعصبية ، فإن أفرادا من هذا النوع من
الصعب أن يتناسوا أبسط أمورهم فكيف بالأحداث الدامية الكبرى ؟ ومن هنا
تتجلى أهمية المعجزة الاجتماعية التي حققها الإسلام حيث وحد الصفوف ، وألف
بين القلوب ، وأنسى الأحقاد ، تلك المعجزة التي أثبتت أن تحقيق مثل هذه الوحدة
وتأليف تلك القلوب المتنافرة المتباغضة ، وإيجاد أمة واحدة متآخية من ذلك
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 623
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٦٢٣