فأحيانا تكون الثروة غير المحدودة نوعا من العقاب الإلهي الذي يشمل
بعض الناس ، فإذا نظرنا إلى حياتهم من بعيد نراها جميلة ، أما إذا تفحصناها عن
قرب فسوف نشاهد التعاسة بأدنى حالاتها ! ، وفي هذا المجال هناك قصص عديدة
لسلاطين الثروة في الدنيا ، حيث يطول بنا المقام لو أردنا سردها .
السؤال الآخر هو : ألا يعني هذا الكلام أنه متى ما كان الإنسان فقيرا فلا
ينبغي له السعي للتوسع في الرزق ، لأن الخالق جعل مصلحته في هذا الفقر ؟
وللجواب على هذا السؤال نقول : إنه قد تكون قلة الرزق بسبب كسل
الإنسان وتهاونه أحيانا ، فهذا النقص والحرمان ليس ما يريده الله حتما ، بل بسبب
أعماله ، والإسلام يدعو الجميع إلى الجهد والجهاد والمثابرة وفقا لتأكيده على
أصل السعي وبذل الجهد الذي يشير إليه القرآن في آيات عديدة ، وسنة
الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) .
ولكن عندما يبذل الإنسان منتهى جهده ، ورغم ذلك تغلق الأبواب في وجهه ،
عليه أن يعلم بأن هناك مصلحة معينة في هذا الأمر ، فلا يجزع ، ولا ييأس ، ولا
ينطق بالكفر ، ويستمر في محاولاته ويستسلم لرضا الخالق أيضا .
وتجدر الإشارة إلى هذه الملاحظة وهي أن كلمة ( عباده ) لا تتعارض أبدا مع
الطغيان عند بسط الرزق ، لأن هذه العبارة تستخدم في الأفراد الصالحين
والسيئين والمتوسطي الحال ، مثل : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا
تقنطوا من رحمة الله .
صحيح أن الخالق ينزل الرزق بقدر حتى لا يطغي العباد ، إلا أنه لا يمنعهم أو
يحرمهم ، لذا فإن الآية التي بعدها تقول : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما
قنطوا وينشر رحمته .
ولماذا لا يكون هذا : وهو الولي الحميد ؟
هذه الآية تتحدث عن آيات وعلائم التوحيد في نفس الوقت الذي تبين فيه
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 536
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٣٦