تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
حقا إن شماتة أصحابه كانت أكثر ألما عليه من أية مصيبة أخرى حلت به ، ورغم هذا لم يفقد أيوب صبره ، ولم يلوث شكره الصافي كالماء الزلال بالكفر ، وإنما توجه إلى البارئ عز وجل وذكر العبارة التي ذكرناها آنفا ، أي قوله تعالى : اني مسني الشيطان بنصب وعذاب ولكونه خرج من الامتحان الإلهي بنتيجة جيدة ، فتح الباري عز وجل - مرة أخرى - أبواب رحمته على عبده الصابر المتحمل أيوب ، وأعاد عليه النعم التي افتقدها الواحدة تلو الأخرى ، لا بل أكثر مما كان يمتلك من المال والزرع والغنم والأولاد ، وذلك كي يفهم الجميع العاقبة الحسنة للصبر والتحمل والشكر . بعض كبار المفسرين ، احتملوا أن الوساوس التي وسوس بها الشيطان في قلب أيوب هي المقصودة من أذى وعذاب الشيطان لأيوب ، إذ كان يقول له أحيانا : لقد طالت فترة مرضك ، ويبدو أن ربك قد نسيك ! وأحيانا كان يقول له : ما زلت تشكر الله رغم أنه أخذ منك النعم العظيمة والسلامة والقوة والقدرة ! يحتمل أنهم ذكروا هذا التفسير لكونهم يستبعدون إمكانية تسلط الشيطان على الأنبياء كأيوب ، ولكن مع الانتباه إلى أن هذه السلطة : أولا : كانت بأمر من الله . وثانيا : محدودة ومؤقتة . وثالثا : لامتحان هذا النبي الكبير ورفع شأنه ، فلا إشكال في ذلك . على أية حال ، قيل : إن فترة ألمه وعذابه ومرضه كانت سبع سنين ، وفي رواية أخرى قيل : إنها كانت ( 18 ) سنة ، وحالته وصلت إلى حد بحيث تركه أصحابه وحتى أقرب المقربين إليه ، عدا زوجته التي صمدت معه وأظهرت وفاءها له . وهذا شاهد على وفاء بعض الزوجات ! وأشد ما آذى وآلم روح أيوب ( عليه السلام ) من بين ذلك الأذى والعذاب الذي مر به ، هو شماتة أعدائه ، لذا فقد جاء في إحدى الروايات أن أيوب ( عليه السلام ) سئل بعد ما عافاه
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 524 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي