الضمير في كلمة " منه " يعود على الضر ، وفسروا الآية هكذا " حين يذيق الله
عباده بعد الضر رحمة . إذا فريق منهم يشركون بالله " . ( فيكون معنى " من " هنا
البدلية ) . إلا أنه من الواضح أن التفسير الأول أكثر انسجاما مع ظاهر الآية !
أما الآية الأخرى فجاءت بعنوان التهديد لأولئك المشركين ، الذين ينسون
ربهم عند نيل النعم ، إذ تقول : اتركهم ليكفروا بما آتيناهم وليفعلوا ما استطاعوا
إلى ذلك سبيلا ! ثم يخاطب المشركين بأن يتمتعوا بهذه النعم والمواهب الدنيوية
الفانية . وسوف يرون العاقبة السيئة لذلك : فتمتعوا فسوف تعلمون ( 1 )
وبالرغم من أن المخاطبين بالآية هم المشركون ، إلا أنه لا يبعد أن يكون لها
مفهوم واسع بحيث يشمل جميع الذين ينسون الله عند إقبال النعم ، وينشغلون
بالتمتع بهذه النعم فحسب ، دون أن يذكروا واهب النعم .
وبديهي أن صيغة الأمر استعملت هنا للتهديد ! .
والقرآن في الآية الأخرى يصوغ الكلام في صيغة الاستفهام المقرون
بالتوبيخ فيقول : أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون .
" أم " هنا للاستفهام ، ويحمل الاستفهام هنا غرضا استنكاريا وتوبيخا . . . أي
إن سلوك هذا الطريق والخطة يجب أن يكون إما لنداء الفطرة ، أو بحكم العقل ، أو
بأمر الله ، لكن حين يصرخ الوجدان والفطرة في الشدائد والملمات بالتوحيد . . . .
فإن العقل يقول أيضا : ينبغي التوجه نحو واهب النعم .
يبقى أن حكم الله في هذه الآية هو في مورد النفي ، أي : لم يؤمروا من قبل الله
بمثل هذا الأمر ، فعلى هذا فإن هؤلاء في اعتقادهم هذا لم يستندوا إلى أي أصل
مقبول ! .
هامش
1 - إن " اللام " في جملة " ليكفروا " هي لام الأمر ، وهذا الأمر للتهديد ، وكذلك جملة " تمتعوا " إذ هي للتهديد أيضا .
وإن كانت الأولى جاءت بصيغة " الغائب " والثانية بصيغة " الخطاب " . . . فكأنما افترض في الحالة الأولى أنهم غياب
ثم من أجل التشدد بالتهديد جعلهم مواجهين للتهديد والخطاب ، إلا أن بعض المفسرين عدوا " اللام " للعاقبة ، أي
كان عاقبة أمرهم الكفر بنعم الله ، إلا أن المعنى الأول أكثر انسجاما مع ظاهر الآية .