تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
حيال هذا العالم الكبير ، حتى وإن كانت رقبته كالجبال ، فإن أعلى جبال الأرض أمام عظمة الأرض أقل من تعرجات قشر ( النارنج ) بالنسبة إليها ، تلكم الأرض التي هي نفسها لا شئ بالنسبة إلى الأفلاك العظيمة . ترى أليست هذه الحالة من الكبر والغرور ، دليلا على الجهل المطلق ! ؟ نقرأ في حديث رائع عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أنه كان يعبر أحد الأزقة يوما ما ، فرأى جماعة من الناس مجتمعين ، فسألهم عن سبب ذلك فقالوا : مجنون شغل الناس بأعمال جنونية مضحكة ، فقال : رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أتريدون أن أخبركم من هو المجنون حقا ، فسكتوا وأنصتوا بكل وجودهم فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " المتبختر في مشيه ، الناظر في عطفيه ، المحرك جنبيه بمنكبيه ، الذي لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ، فذلك المجنون ، وهذا مبتلى ! " . الصفة الثانية ل‍ " عباد الرحمن " الحلم والصبر ، كما يقول القرآن في مواصلته هذه الآية وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما . السلام الذي هو علامة اللامبالاة المقترنة بالعظمة ، وليس الناشئ عن الضعف . السلام دليل عدم المقابلة بالمثل حيال الجهلة الحمقى ، سلام الوداع لأقوالهم غير المتروية ، ليس سلام التحية الذي هو علامة المحبة ورابطة الصداقة . والخلاصة ، أنه السلام الذي هو علامة الحلم والصبر والعظمة . نعم ، المظهر الآخر من مظاهر عظمتهم الروحية ، هو التحمل وسعة الصدر اللذين بدونهما سوف لا يطوي أي إنسان طريق " العبودية لله " الصعب الممتلئ بالعقبات ، خصوصا في المجتمعات التي يكثر فيها الفاسدون و " مفسدون " وجهلة . وتتناول الآية الثانية ، خاصيتهم الثالثة التي هي العبادة الخالصة لله ، فيقول تعالى : والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما . في عتمة الليل حيث أعين الغافلين نائمة ، وحيث لا مجال للتظاهر والرياء ،