ثم انّ تحقيق أصوله و تبيين مأخذه يتوقَّف على أبحاث طويلة لا يحتملها هذا المختصر ، فلا بدَّ من الاكتفاء في بيانه بلطيف تنبيه ( بلطف تنبيه - خ ل ) و خفيف إشارة انَّما يتفطَّن لها الأزكياء العارفون بأصول الصنايع ، فلهذا ترجمة بالدقيقة ، و بيان ذلك انَّه كثيراً ما يختلج في الأذهان ، انّ اصحاب النظر و التعليم الذين يستحصلون المعارف و الحقائق بالحجج و البراهين عندهم علم آليّ يتوسّلون به ( يتوصلون به - خ ل ) في استحصال مطالبهم و به يميِّزون ( يتميَّزون - خ ) النظر الصحيح المفيد للحق عن الفاسد منه ، و بذلك ايضاً يتمكنون من معرفة الحق و وجه حقيَّته و من معرفة الباطل و سبب بطلانه . و ليس عند السالكين من اصحاب المجاهدات آلة شأنها ذلك . و لا يخفى انّ المعارف إذا حصلت بذلك الوجه ، يكون اتمَّ و اكمل ممّا لم يكن حصوله الا بطرق شتَّى ، و وجوه كيف كانت ، فيكون طريقهم أسدّ .
فلئن قيل : انّ علوم اصحاب المجاهدة من قبيل الوجدانيّات التي هي من الضروريّات ، و كمالا يفتقر اصحاب النظر في حصول علومهم الضروريَّة إلى صناعة آليَّة مميّزة و قانون يتبيّن الطريق ( يبيّن طريق - خ ) حصولها و معرفة حقيقتها ، فكذلك العلوم الحاصلة لهم بالذوق و الوجدان .
قلنا : انَّما يتمُّ ذلك لو كان علومهم من قبيل الوجدانيّات المطلقة لسائر السالكين ، و ليس كذلك ، فانّ ما قد يجده بعض السالكين مناقضاً لما يجده البعض الآخر منهم ، و لهذا قد ينكر البعض منهم البعض الآخر في ادراكاتهم الذوقيَّة و معارفهم الوجدانيَّة الكشفيَّة .
فلئن قيل : المخالفة بين السالكين في معارفهم و مواجدهم ، انَّما نشأت من قوَّة الاستعداد و ضعفه ، فانَّ الضعيف منهم انّما يدرك معنى و يتصور انَّه النهاية في ذلك فيتوقّف عنده و ما يتعدَّاه و يعتقده عقداً لا يتطرق إليه الانحلال ، و اما القوى لاحاطة إدراكه بما هو الغاية عند الضعيف و تجاوزه
تمهيد القواعد ( فارسى ) — صفحة 271
مساهمون: صائن الدين علي بن محمد تركة
ص٢٧١