لأنَّه لو وصل إليه السالك و أدركه ، لما امكنه ان يعقله بالقوة العاقلة ، لاتفاقهم على ان العقل يستحيل ان يدركه لكونه من الأطوار التي فوق العقل ، فامتنع ان يصل إليه القوة العاقلة ، فامتنع ان يتعلَّق به شيء من القوى الجسمانيَّة المدركة بالحفظ و الإحساس و التخيُّل و المحاكاة ، و هذا بيِّن لا يحتاج إلى بيان زائد ، فامتنع ان يعبِّر عنه بشيء من العبارات . على ان تجرُّد القوة الناطقة القدسيَّة عن القيود الطبيعيَّة ، لا يتحقق الا بالموت ، و لا يتحقَّق بالاعراض عنها بعدم التفاتها إليها و إلى مقتضياتها و افعالها و غاياتها ( و بيِّن - فان - خ ) ان انحصار النظر في الأمر المطلق و دوام الملاحظة له لا يوجب رفعها و صيرورتها في حكم العدم . ثم ان الروح الناطقة لا يتجرَّد بالموت عن كثير من القيود التي هي من لوازمها و كالأجزاء بالنسبة إليها » .
( 1 ) أقول : هذه شبهة اخرى دالَّة على امتناع حصول غايتهم المطلوبة و الوصول إلى غرضهم المرغوب فيه المسمّى بالكمال عندهم ، و ذلك لأنَّ الكمال الذي يقولون به كالأمر الممتنع ، لأنّ حصوله يستلزم امتناع إدراكه ، و كلَّما كان حصوله مستلزماً لامتناع إدراكه ، يكون ممتنع التحصيل ، فيكون الكمال المطلق عندهم ، امراً ممتنع التحصيل ، فيكون ممتنعاً . و بيان ذلك ، ان من الأصول المقرَّرة عندهم ، انّ الكمال الحقيقي المطلق لديهم لو وصل إليه السالك و أدركه ، لما امكنه ان يتصوَّر ذلك بالقوة العاقلة ، و يحاط بالصورة العقليَّة ، فانّ الآراء متفقة على ان للعقل طوراً خاصًّا في الإدراك ، لا يمكنه ان يتجاوز عنه كما هو حال ساير المشاعر ، فان لكلّ منها مرتبة مخصوصة في الإدراك ، و مدركات خاصَّة بها ، لا يتعلق ادراكاتهم الا بها في تلك المرتبة خاصة . فللعقل ايضاً مرتبة مخصوصة في إدراكه و مدركات خاصة لا يتجاوز إدراكه عنها ، فكما ان البصر مثلًا لا يقدر أن يتجاوز عن ادراك الكيفيّات المبصرة و يدرك الأصوات و النَّعم ، فكذلك العقل لا
تمهيد القواعد ( فارسى ) — صفحة 207
مساهمون: صائن الدين علي بن محمد تركة
ص٢٠٧